سلسلة قراءات فى تاريخ الاسلام والمسلمين- استئذان أبي بكر الرسولَ في الهجرة
استئذان أبي بكر الرسولَ -صلّى الله عليه وسلّم- في الهجرة:
فكّر الصِّدِّيق -رضي الله عنه- في الهجرة، وعندما أراد أن يُهاجر طلَب منه الرّسول -صلّى الله عليه وسلم- الانتظار ليصحبه في هجرته عندما يُؤذن له بذلك. فأخذَ الصِّدّيق في الاستعداد لهذه الهجرة، فاشترى راحلتيْن، وظلّ يعلفهمَا لمدَّة أربعةِ أشهر.
وقد روى الحاكم: أنَّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال لجبريل -عليه السلام-: ((منْ يُهاجر معي؟))، قال: "أبو بكر الصديق". وفي بعض الروايات: أنّ أبا بكر كثيراً ما يستأذن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في الهجرة، فيقول له: ((لاَ تعْجلْ! لعلّ الله يجْعل لك صاحِباً))؛ فيطمع أبو بكر أنْ يكون هذا الصاحب رسولَ الله -صلّى الله عليه وسلّم-.
تآمر قريش على قتْل رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
عندما علِم المشركون بما تمّ في بيْعة العقبة الثانية، وعندما رأوا المسلمين يهاجرون إلى المدينة شعروا بالخطر مِن تجمّع المسلمين بالمدينة وخروج الرسول -صلى الله عليه وسلم- إليهم، فبدؤوا يفكّرون في القضاء على هذا الخطر المحتمَل المتمثّل في تهديد تجارتهم وتنامي قوة الإسلام الذي وقفوا أمامه طوال ثلاث عشرة سنة.
وفي يوم الخميس السادس والعشرين من شهر صفر من السنة الرابعة عشرة مِن النبوة الموافق للثاني عشر مِن سبتمبر، عام ستمائة واثنين وعشرين لميلاد المسيح -عليه السلام-، بعد شهرين ونصف تقريباً مِن بيْعة العقبة الكبرى. عقد زعماء قريش اجتماعاً خطيراً في دار الندوة ليتشاوروا في أنجع الوسائل للتخلّص من الرسول -صلى الله عليه وسلم-. قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} وقد أجمل القرآن الكريم في هذه الآية الآراء التي طُرحت في هذا الاجتماع الخطير.
وفي رواية عن ابن عباس: "أنهم عندما اجتمعوا في دار الندوة للتشاور في أمْر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، جاءهم إبليس على هيئة شيخ جليل مِن أهل نجْد. فقالوا: مَن الشيخ؟ قال: مِن أهل نجْد، سمع بالذي اتّعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أنْ لا يعدمكم رأياً ونُصحاً".
وعندما دارت المناقشات، اقترح أحد المؤتمرين: أنْ يحبسوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال الشيخ النجدي: لا والله! ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون، ليخرجنّ أمره مِن وراء الباب هذا الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلَأوشكوا أنْ يثِبوا عليكم فينتزعوه، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمْركم.
ثم اقترح أحدهم: أنْ ينفوه. فدحض النّجديّ الاقتراح مبيِّناً حُسن حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومَنطقه وأسْره القلوبَ، سيجذب الناس إليه ويغلب بهم قريشاً.
وأخيراً، اقترح أبو جهل أنْ يأخذوا مِن كلّ قبيلة فتًى شاباً فتياً وسطاً فيهم، ويُعطى كلّ واحد منهم سيفاً صارماً، فيضربون جميعاً بأسيافهم محمداً ضربة رجُل واحد ليتفرّق دمُه بيْن القبائل، ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً، فيرضُوا بالدِّية.
وأيّد النّجديّ هذا الاقتراح، ووافق عليه الجميع، وتفرّقوا على ذلك، ولم يبْق إلاّ التّنفيذ.
وعلّل السهيلي حضور إبليس على هيئة رجُل مِن نجْد: آنهم قالوا بأنّ اجتماعهم لا يحضره أحَد مِن تهامة، لأنّ هواهم مع محمد.
لمّا تمّ اتّخاذ القرار الغاشم بقتْل النبي -صلى الله عليه وسلم-، نزَل إليه جبريل بوحْي ربّه تعالى، وأخبره بمؤامرة قريش، وأنّ الله قد أذِن له في الخروج، وحدَّد له وقت الهجرة قائلا: "لا تبِتْ هذه الليلة على فراشك الذي كُنتَ تبيت عليه". وذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- في الهاجرة إلى أبي بكر الصديق، ليتّفق معه على خطّة الهجرة.
قالت عائشة -رضي الله عنها-: ((بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحْر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متقنِّعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي! والله ما جاء به في هذه الساعة إلاّ أمْر.
قالت: فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستأذن، فأذن له فدخل، فتأخّر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما جاء بك إلاّ أمْر حدَث. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر: أخرج مِن عندك. فقال أبو بكر: لا عينٌ عليك إنما هما ابنتاي، -وفي لفظ: أهلك-. فقال: إنّ الله قد أذِن في الخروج والهجرة. فقال أبو بكر: الصّحبة يا رسول الله! قال: نعم. قالت عائشة: فوالله ما أنّ أحداً يبكي مِن الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ)).
وفي هذا اللقاء، تمّ الاتّفاق على خطّة الخروج مِن مكة، وعاد إلى بيته -صلى الله عليه وسلم-.غادر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بيته في ليلة سبع وعشرين مِن شهر صفَر، سنة أربعة عشرة مِن النبوة الموافق 12-13سبتمبر سنة (622م)، وأتى دار الصِّدِّيق، ومنها خرج إلى الغار.
وتقدّم معنا: أنّ الصِّدِّيق قد جهّز راحلتيْن منذ فترة لهذه الساعة، ساعة ميلاد الدولة الإسلامية، فقال الصّدّيق لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خُذ إحدى راحلتيَّ هاتيْن" فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((بالثّمن. لا أركب بعيراً ليس لي!)) قال: هو لك. قال: ((ولكنْ بالثمن)).قال: "أخذْتها بكذا وكذا". قال: ((أخذْتُها بذلك)). وقيل: بأنّ هذه الراحلة هي: "الجدعاء"،وكان الثمن ثمانمائة درهم. قالت عائشة: فجهّزناها أحثّ الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فشقّت أسماء بنت الصّدّيق قطعة مِن نطاقها لِتربط به القِربة؛ وقد عُرفت بذات النِّطاقيْن.
ورُوي: أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنّ لها نِطاقيْن في الجَنّة)).
واستأجرا رجلاً مِن الدّيل ماهراً بالطريق، وواعداه بعد ثلاث في الغار، وقد أمِناه وهو على كفْره، وقد أسلم بعد ذلك، واسمه: عبد الله بن أُرَيْقط..
وخرج الصّدّيق بجميع مالِه، وكان خمسة ألاف دِرهم، لينفقه في سبيل الله كما، أنفق أكثر مِن خمسة وثلاثين ألْفاً قبل ذلك في سبيل الله.
وقد خرجا مِن باب خلفيٍّ في بيت الصّدّيق مُتنكِّرَيْن. وفي طريقهما إلى الغار، ودّع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة التي أحبّها، مكة التي وُلد فيها وترعرع، فقال: ((والله إنّكِ لَخيْرُ أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أنّي أُخرِجْتُ منكِ لَمَا خَرجْتُ))، وفي رواية أخرى: ((ما أطيبَك مِن بلد، وأحبّك إليّ! ولولا أنّ قومي أخرجوني منك ما سكنْت غيْرك!)).
وفي طريقهما إلى الغار، كان الصّدّيق يمشي أمام الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحياناً، وأحياناً خلْفَه، فسأله -صلى الله عليه وسلم- عن السّبب، فقال: "أذْكر الطّلب فأمشي خلْفك، ثم أذكر الرّصد فأمشي أمامك". وعندما انتهيا إلى الغار، قال أبو بكر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مكانك حتى أستبْرِِِِِِِئ لك الغار". وبعد ما تأكّد مِن خُلوِّ الغار، قال: "انزِلْ يا رسول الله!". فنزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الغار.
وكان مِن الخطَط التي وضعاها:
يتولّى عبد الله بن أبي بكر -وهو شابّ- نقْل الأخبار مِن داخل مكة إليهما، وتحرّكات أهلها.
كان عامر بن فهيرة -راعي الصِّدّيق- يأتيهما بغَنمه، فيحلب لهما ما يكفيهما، ثم يذهب بها لِيمحُو أثَر عبد الله بن أبي بكر.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية
0 التعليقات:
إرسال تعليق