هجرة عُمر بن الخطاب ومَن معه: 
عنْ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "اتّعدْتُ -لمّا أردنا الهجرة إلى المدينة-، أنا وعيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص، التناضب من أضاة بني غفار فوق سرف، وقلنا: أيُّنا لمْ يصبح عندها فقد حُبِسَ؛ فلْيمْض صاحباه. قال: فأصبحت أنا وعيََََّاش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحُبس عنّا هشام، وفُتِنَ فافْتُتِنَ".
وروى البخاري: أنَََََّ عمر قدِم مهاجراً إلى المدينة في عشرينَ راكباً مِن أصحابِ النبيّ -صلّى الله عليه وسلم-.
ورواية ابن إسحاق لا تتعارض مع ما ذكَره البخاري. فهذه العشرون التي ذكَرها البخاري لمْ تبدأ هجرتها مع عُمر، وإنّما لحِقت به في الطريق، فقدم الجميع في ركْب واحد، في قصّة هجرة عُمر بن الخطاب -رضي الله عنه- رواية أخرى.
فقد روي عن عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: "ما علمتُ أحداً مِن المهاجرينَ هاجر إلاّ مختفيًا، إلا عمر بن الخطاب؛ فإنه لمَّا همَّ بالهجرة تقلَّدَ سيْفه، وتنكَّب قوْسه، وامْتَضَى أسهماً، واختصر عنزته، ومضى قِبَل الكعبة، والملأ مِن قريش بفنائها. فطاف بالبيت سبْعاً، ثم أتى المَقامَ، وصلّى ركعتيْن، ثم وقف على جماعات قريش حول الكعبة، وقال لهم: مَن أراد أنْ يُثكل أمَّه، أو يُؤَتِّم ولَده، أو يُرمِل زوجتَه، فلْيَلْقَني وراء هذا الوادي".
فقال عليّ بن أبي طالب: "فلمْ يتبعْه أحدٌ، إلاّ قوم مِن المستضعَفينَ".
وتتابعت مواكبُ المؤمنينَ إلى دار الهجرة، دار السلام، ولم يبق أحدٌ في دار الكفر إلاّ مستضعفٌ مغلوبٌ أمْره أو صاحب عذر. وقد كان آخِر مَن بقِي ممَّن هاجر: عبد الله بن جَحْش، وكان قد كُفَّ بصرُه، فهاجر بأهله ومالِه سراً حتى وصل المدينة
قصة عيّاش وهشام بن العاص
تقدّم: أنّ عمر بن الخطاب تواعدَ وعيَّاشاً وهشاماً في مكانٍ مُعيَّن، لينطلقوا جميعاً إلى المدينة، وأنَََّ هشاماً لمْ يلحق بهم لأنَّ قومهُ فطنوا لاستعداده إلى الهجرة، فحبسوه عن الهجرة، وفُتِنَ فافْتُتِنَ. -أمّا عيّاش، فقد هاجر، لكنَََّ قومه ذهبوا في طلبِه، فجاء إليه أبو جهل والحارث بن هشام في المدينةِ قبل هجرة الرَّسول -صلّى الله عليه وسلم-، وهما إخوة لعياش مِن أمّه وابن عمهما، فقالا له: إنّ أمّك قد نذرَت ألّا يمسّ رأسَها مشط حتى تراك، ولا تستظلّ منْ شمسٍ حتى تراك، فرقّ لها، فحذّره عُمر بن الخطاب وقال له: "إنّ هذه حيلة"، فلمّا أبَى، أعطاه ناقة له وطلب منه إنْ رابه مِن أمرهما شيء، أنْ يركب عليها ويهرب؛ ولكنهما احتالا له حتى تمكّنا مِن أخْذه، فأوثقاه وفتناه، فافتُتِن
فلمّا نزل قول الله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}، كتبها عمر وبعثَ بها إلى هشام بن العاص، فلم يفهم الآية، فدعا الله تبارك وتعالى ففَهمها، وألقَى الله في قلبه أنها نزلتْ فيهِ وفي أمثاله، فخَرَجَ مهاجراً إلى المدينة.
وذكرتْ بعض الروايات: أنَّ الوليد بن الوليد بن المغيرة لمَّا سمع رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- يقول: ((مَن لي بعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص؟))، قال: أنا لَك يا رسول الله بهما، فخرج إلى مكة، فقدِمها مستخفياً حتى عرف مكان سجنهما فخلَََََّصهما مِن الأسْر، وقدم بهما على رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- بالمدينة
منازل المهاجرين بالمدينة.
قال ابن سعد: "لمّا قدِم أصحابُ رسول الله -صلّى الله عليه وسلمأَرْسَالاً، فنزلوا مع الأنصار في دُورهم، وآوَوْهم ونصروهم وآسوهم، فنزلَ طلحة بن عبيد الله وصهيب بن سنان على خبيب بن شاف، ونزل حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة وأبو مرثد الغنوي على كلثوم بن الهدم بقباء، ونزلت مجموعةٌ أخرى على عبد الله بن سلمة. ويقال: بأنَََََّ العزَّاب نزلوا على سعْد بن خيثمة لأنَّه كانَ عازباً. ونزل عمر بن الخطاب وأقارِبه ومواليه في بني عمرو بن عوف بقباء
وقد ضَرب الأنصار أرْوع صوَر الكرَم في استقبالِ المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم في سبيل الله، واستحقّوا ذلك الوصف الذي أطلقه الله -تبارك وتعالى- عليهم، وهو قوله -جلَّ وعََلا-: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}؛ ولذلك قال فيهم -صلّى الله عليه وسلم-: ((لوْ سلَك الناس وادياً، وسلكَت الأنصارُ وادياً، لسلكتُ وادي الأنصار))، أو كما قال -صلّى الله عليه وسلم.