سلسلة قراءات فى تاريخ الاسلام والمسلمين- أوّل مَن هاجر إلى المدينة المنوّرة
أوّل مَن هاجر إلى المدينة المنوّرة
بعد أنْ تمّت بيْعَة العقبةِ، ونجح المسلمون بقيادة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في تأسيسِ وطَنٍ لهم في صحراء تموجُ بالكفْرِ والجهالةِ، أذِن رسولُ الله -صلّى الله عليه وسلّم- للمسلمينَ بالهجرةِ إلى هذا الوطنِ، الذي طالما تمنَّوْهُ وسألوه المولى -عزّ وجلّ-.
روى الإمام البخاريّ -رحمه الله- عنْ عائشةَ -رضيَ الله عنها- أنّها قالت: قال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- للمسلمين بمكة: ((إنّي أُرِيتُ دَارَ هجرتِكم: ذَاتَ نَخْلٍ بيْن لاَبَتَيْنِ)). وهما الحرّتان. فهاجرَ منْ هاجرَ قِبَلَ المدينةِ ورجعَ عامَّة منْ كان هاجرَ بأرضِ الحبشة.
وروي: ((أنّه رأى في المنامِ: أنّه هاجر منْ مكة إلى أرضٍ بها نخْل؛ فذهبَ ظنُّه إلى اليَمَامَةِ أو هَجَر، ثمّ استبان له أنّها المدينة)).
وبعد هذه الرّؤيا، خرج النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- مسرورًا، وقال: ((قد رأيتُ دار هجرَتِكم، وهي يثْرِب؛ فمنْ أراد أنْ يخرجَ فلْيَخْرجْ إليها))، وقال: ((إنّ الله -عزّ وجلّ- قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنُون بها)). فخرجوا إليها أَرْسَالاً وفُرادَى، منهم مَن خرج مُستعلناً، ومنهم مَن خرج مُستخفياً. ورجع كثيرٌ ممّنْ هاجرَ إلى الحبشةِ إلى مكة، ومنها إلى المدينةِ؛ وقد كان إذنه -صلّى الله عليه وسلم- للمسلمين بالهجرة إلى المدينةِ قبل بَيْعَةِ العقبة الأخيرة بسَنة.
عن عائشةَ -رضي الله عنها-، قالت: "لمََََّا صدر السَّبْعُون عند رسول الله -صلّى الله عليه وسلم-، طابت نفسه وقد جعل الله له مَنَعَةً، وقوماً أَهْل حربٍ وعدَّةٍ ونجدةٍ. وجعل البلاء يشتد على المسلمين مِن المشركين لِما يعلمون مِنَ الخروجِ، فضيَّقوا على أصحابه، وتَعَبَّثُوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون مِن الشَّتم والأذى؛ فشكا ذلك أصحاب رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- فاستأذنوه في الهجرة، فقال: ((قد أُرِيتُ دارَ هجرتكم، أُرِيتُ سَبخَةً ذات نَخْلٍ بين لَابَتَيْنِ)). ثمّ خرج إليهم مسروراً، وحدّد لهم مكان الهجرة، فقال: ((يثرب، فمنْ أراد الخروج فلْيخْرجْ إليها)). فجعل القوم يتجهّزون ويترافقون ويتواسوْن ويخرجون ويخفون ذلك".
ذكر البخاريّ: "أنّ أوّل منْ هاجرَ إلى المدينةِ: مصعبُ بن عمير، وعبد الله بن أمّ مكتوم".
وذكر ابن إسحاقَ وابن سعد: أنَََّ أوَّل منْ هاجرَ هو: أبو سَلَمَة بن عبد الأَسَد، وجزم بذلك موسى بن عقبة.
وقد جمع الحافظ ابن حجر بيْن ما ذكره البخاريّ وأصحابُ السِّيَر بحمل الأَوََََّلِيَّّّّةِ على صفةٍ خاصة، هي: أنَّ أبا سَلمة خرج لها لِقصْد الإقامة بالمدينةِ، بخلاف مُصعب فكان عليه نيّة الإقامة بها ليُعَلِّم منْ أسلم منْ أهلها؛ فلكلٍّ أولويّة مِن جهة.
قال ابن إسحاق متحدِّثاً عنْ هجرةِ أبي سَلَمَة: "هاجر إلى المدينة قبْل بَيْعَة العقبة بسنةٍ، وكان قدِم على رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- مكة مِن أرض الحبشة، فلمّا آذته قريش، وبلغه إسلام منْ أسلمَ مِنَ الأنصارِ، خرج إلى المدينة مهاجراً".
محنةُ آل أبي سلمة:
عنْ أمِّ سلمةَ قالت: "لمَََََّا أجمع أبو سلمةَ الخروجَ إلى المدينةِ، رَحَََّلَ لي بعيري، ثمّ حملني عليه وحمل معي ابني سلمة في حِجري، ثمّ خرج بي. فلمّا رأتْه رجالُ بني المغيرة قاموا إليه، فقالوا: هذه نفْسك غلبْتنَا عليها، أَرأَيتَ صاحبتكَ هذه؟ علامَ نترككَ تسير بها في البلادِ؟ قالت: فأخذوني منه. قالت: وغضِبَ عندَ ذلك بنو عبد الأسد، فقالوا: لا والله! لا نترك ابننَاعندهَا. فتجاذبوا ابني سَلمة بينهم حتى خلعوا يدَه. وانطلقَ به بنو عبد الأسد. وحبسنِي بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجِي إلى المدينةِ، فَفُرِّقَ بيني وبينَ زوجي وبين ابني.
قالت: فكنتُ أخرج كلّ غداة، فأجلسُ بالأَبْطح، فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريباً منها، حتى مرَّ بي رجُل من بني عمِّي فرأى ما بي فرَحمني، فقالَ لبني المغيرة: أَلاَ ترحموا هذه المسكينة؟ فَرَّقْتُمْ بينها وبيْن زوجها وابنها! فقالوا لي: الحَقِي بزوْجك إنْ شئت. قالت: وردَّ بنو عبد الأسد إليَّ ابني. ثم خرجتُ أريد زوجي، وما معي أحَد مِن خَلْق الله. قالت: أتبلّغ ممَّن لقيتُ حتى أقدم على زوجي. حتى إذا كنتُ بالتََََّنْعِيم، لقيتُ عثمان بن أبي طلحة أخَا بني عبد الدار، فقال لي: إلى أين يا بِنْت أميّة؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أَوَ مَا مَعَك أحَد؟
فقلت: لا والله! إلاّ الله وابني هذا. قال: والله ما لَكِ منْ مَترك. فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلاً مِن العرَب كان أكرم منه: كان إذا بلغ المنزل أناخ، ثم استأخر عنّي. حتى إذا نزلْتُ فحطّ عن البعير، ثم قيّده في الشجرة، ثم تنحى عني إلى شجرة ، فاضطجع تحتها. فإذا دنا الرّواح، قام إلى بعيري، فقدّمه فرحَّله ثم استأخر عني، وقال: اركبي! حتى أقدمني المدينةَ. فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية -وكان أبو سلمة بها نازلاً-، فادخليها على بركة الله! ثم انصرف راجعاً إلى مكة.
فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيْت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحباً قطّ كان أكرم مِن عثمان بن طلحة.
وعندما أراد صهيب الهجرة، قال له المشركون: "أتيْتَنا صعلوكاً حقيراً، فكثر مالُك عندنا، وبلغتَ الذي بلغتَ ثم تريد أن تخرج بمالِك ونفْسك، والله لا يكون ذلك".
فقال لهم صهيب: "أرأَيْتُمْ إنْ جعلتُ لكم مالي أتُخلُّون سبيلي؟ قال: فإنِّي جعلتُ لكم مالي"، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (ربِح صهيب).
ع تحيات جامعة المدينة العالمية
0 التعليقات:
إرسال تعليق