‏إظهار الرسائل ذات التسميات تغريدات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تغريدات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 6 يونيو 2013

وكان الفرزدق هجاء لعمر بن هبيرة

وكان الفرزدق هجاء لعمر بن هبيرة، فلما سجن ونقب له السجن وسار هو وبنوه تحت الأرض، قال الفرزدق:
ولما رأيت الأرض قد سد ظهرها ... ولم يبق إلا بطنها لك مخرجا
دعوت الذي ناداه يونس بعدما ... ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا
فقال ابن هبيرة: ما رأيت أشرف من الفرزدق هجاني أميرا ومدحني أسيرا.
وقال سري بن عبد الرحمن الرفاء في خالد بن حاتم:
يا واحد العرب الذي دانت له ... قحطان قاطبة وساد نزارا
إني لأرجو إن لقيتك سالما ... أن لا أعالج بعدك الأسفارا «2»
وقال كعب بن مالك الأنصاري في آل هاشم:
يا آل هاشم الإله حباكم ... ما ليس يبلغه اللسان المفصل
قوم لأصلهم السيادة كلها ... قدما وفرعهم النبي المرسل
وقال الحسين بن دعبل الخزاعي:
ملك الأمور بجوده وحسامه ... شرفا يقود عدوه بزمامه
فأطاع أمر الجود في أمواله ... وأطاع أمر الله في أحكامه
وقال آخر:
يلقى السيوف بصدره وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر «3»
ويقول للطرف اصطبر لسني القنا ... فعقرت ركن المجد إن لم تعقر «4»
وإذا تراءى شخص ضيف مقبل ... متسربل أثواب محل أغبر
أومى إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحر «5»
وقال شاعر بني تميم:
إذا لبسوا عمائمهم طووها ... على كرم وإن سفروا أناروا
يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالطعان هم تجار
إذا ما كنت جار بني تميم ... فأنت لأكرم الثقلين جار
وقالت امرأة، من بني نمير، وقد حضرتها الوفاة، وأهلها مجتمعون: من ذا الذي يقول:

(1/239)
لعمري ما رماح بني نمير ... بطائشة الصدور ولا قصار
قالوا: زياد الأعجم. قالت: أشهدكم أن له الثلث من مالي، وكان مالا كثيرا.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

وأثنى رجل على رجل،..

وأثنى رجل على رجل، فقال: هو أفصح أهل زمانه إذا حدث، وأحسنهم استماعا إذا حدث وأمسكهم عن الملاحاة إذا خولف، يعطي صديقه النافلة ولا يسأله الفريضة، له نفس عن الفحشاء محصورة وعلى المعالي مقصورة كالذهب الإبريز الذي يعز كل أوان والشمس المنيرة التي لا تخفى بكل مكان، هو النجم المضيء للحيران، والمنهل البارد العذب للعطشان.
وقال الحسن بن هانىء «1» :
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرت الألفاظ يوما بمدحه ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
وله في الفضل بن الربيع:
لقد نزلت أبا العباس منزلة ... ما إن ترى خلفها الأبصار مطرحا
وكلت بالدهر عينا غير غافلة ... بجود كفك تأسو كل ما جرحا
وقال زياد الأعجم في محمد بن القاسم الثقفي:
إن المنابر أصبحت مختالة ... بمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب سورة سؤدد من مولد «2»
ومن بدائع مدائح المتنبي قوله:
ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
وقد وجدت مكان القول ذا سعة ... فإن وجدت لسانا قائلا فقل
ومدح أبو العتاهية عمرو بن العلاء، فأعطاه سبعين ألفا وخلع عليه خلعا سنية حتى أنه لم يستطع أن يقوم، فغار الشعراء منه، فجمعهم وقال: يا لله العجب ما أشد حسد بعضكم لبعض إن أحدكم يأتينا ليمدحنا فيتغزل في قصيدته بخمسين بيتا، فما يبلغنا حتى يذهب رونق شعره، وقد تشبب أبو العتاهية بأبيات يسيرة ثم قال:
إني أمنت من الزمان وصرفه ... لما علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله ... جعلوا له حر الوجوه نعالا
إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسبا ورمالا «3»
فإذا وردن بنا وردن خفائفا ... وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا «4»
مع تحيات جامعة المدينة العالمية

إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

ووفد أبو نواس على الخصيب بمصر..

ووفد أبو نواس على الخصيب بمصر، فأذن له وعنده الشعراء، فأنشد الشعراء أشعارهم، فلما فرغوا قال أبو نواس: أنشد أيها الأمير قصيدة هي كعصا موسى تلقف ما صنعوا. قال: أنشدها، فأنشده قصيدته التي منها قوله:
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... فأي فتى بعد الخصيب نزور
فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور
فما فاته جود ولا ضل دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير
فاهتز الخصيب لها طربا، وأمر له بألف دينار ووصيف ووصيفة.
وحكي: أن أبا دلف سار يوما مع أخيه معقل، فرأيا امرأتين تتماشيان فقالت إحداهما للأخرى: هذا أبو دلف؟
قالت: نعم الذي يقول فيه الشاعر:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره «5»
(1/240)
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
فبكى أبو دلف حتى جرت دموعه، فقال له معقل: ما لك يا أخي تبكي؟ فقال: لأني لم أقض حق الذي قال هذا. قال: أولم تعطه مائة ألف درهم؟ قال: والله ما في نفسي حسرة إلا لكوني لم أعطه مائة ألف دينار. ويقال:
هذه المدحة، فأين المنحة؟
قال بعضهم:
إذا ما المدح صار بلا نوال ... من الممدوح كان هو الهجاء
وامتدح محمد بن سلطان المعروف بابن جيوش، محمد بن نصر صاحب حلب، فأجازه بألف دينار، ثم مات محمد بن نصر، وقام ولده نصر مقامه، فقصده محمد بن سلطان بقصيدة مدحه بها منها:
تباعدت عنكم حرمة لا زهادة ... وسرت إليكم حين مسني الضر
فجاء أبو نصر بألف تصرمت ... وإني عليم أن سيخلفها نصر
فلما فرغ من إنشادها، قال نصر: والله لو قال:
سيضعفها نصر لأضعفتها له، وأعطاه ألف دينار في طبق فضة.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

ومدح بعض الشعراء وقيل:..

ومدح بعض الشعراء وقيل: هو البديع الهمداني إنسانا فقال:
يكاد يحكيه صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا «1»
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وقال آخر:
أخو كرم يفضي الورى من بساطه ... إلى روض مجد بالسماح مجود
وكم لجباه الراغبين لديه من ... مجال سجود في مجالس جود
ويقال: فلان رقيق الجود ودخيله، وزميل الكرم ونزيله، وغرة الدهر وتحجيله، مواهبه الأنواء، وصدره الدهناء. عونه موقوف على اللهيف، وغوثه مبذول للضعيف، يطفو جوده على موجوده، وهمته على قدرته، ينابيع الجود تتفجر من أنامله، وربيع السماح يضحك عن فواضله. إن طلبت كريما في جوده مت قبل وجوده، أو ماجدا في أخلاقه مت ولم تلاقه «2» ، باسل تعود الأقدام حيث تزل الأقدام، وشجاع يرى الإحجام عارا لا تمحوه الأيام، له خلق لو مازح البحر لنفى ملوحته «3» . وصفى كدورته. خلق كنسيم الأشجار على صفحات الأنهار، وأطيب من زمن الورد في الأيام، وأبهج من نور البدر في الظلام، خلق يجمع الأهواء المتفرقة على محبته ويؤلف الآراء المتشتتة في مودته، هو ملح الأرض إذا فسدت وعمارة الدنيا إذا خربت، يحل دقائق الأشكال، ويزيل جلائل الإشكال. البيان أصغر صفاته والبلاغة عنوان خطراته، كأنما أوحي التوفيق إلى صدره وحبس الصواب بين طبعه وفكره، فهو يبعث بالكلام ويقوده بألين زمام حتى كأن الألفاظ تتحاسد في التسابق إلى خواطره، والمعاني تتغاير في الامتثال لأوامره، يوجز فلا يخل ويطنب فلا يمل، كلامه يشتد مرة حتى تقول الصخر أو أيبس ويلين تارة حتى تقول الماء أو أسلس، فهو إذا أنشا وشى وإذا عبر جبر، وإذا أوجز أعجز، تاهت به الأيام وباهت في يمينه الأقلام، له أدب لو تصور شخصا لكان بالقلوب مختصا.
قال الشاعر:
له خلق على الأيام يصفو ... كما تصفو على الزمن العقار «4»
وقال آخر:
لو كان يحوي الروض ناضر خلقه ... ما كان يذبل نوره بشتائه «5»
أو قابل الأفلاك طالع سعده ... ما صار نحس في نجوم سمائه
وقال آخر:
(1/241)
ووجهك بدر في الغياهب مشرق ... وكفك في شهب السنين غمام «1»
عجيب لبدر لا يزال أمامه ... سحاب ولا يغشاه منه ظلام
وأعجب من هذا غمام إذا سطا ... تلظى مكان البرق منه حسام
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

وقال الحسين بن مطير الأسدي:

وقال الحسين بن مطير الأسدي:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم
فيمطر يوم الجود من كفه الندى ... ويمطر يوم البؤس من كفه الدم
فلو أن يوم البؤس خلى عقابه ... على الناس لم يصبح على الأرض مجرم
ولو أن يوم الجود خلى يمينه ... عن المال لم يصبح على الأرض معدم
وللشيخ جمال الدين بن نباتة:
والله ما عجبي لقدرك إنه ... قدر على باغي مداه بعيد «2»
إلا لكونك لست تشكو وحشة ... في هذه الدنيا وأنت وحيد «3»
ولصفي الدين الحلي:
أثني فتثنيني صفاتك مظهرا ... عيا وكم أعيت صفاتك خاطبا
لو أنني والخلق جمعا ألسن ... نثني عليك لما قضينا الواجبا
وللشيخ برهان الدين القيراطي:
أوصافكم تجري أحاديثها ... مجرى النجوم الزهر في الأفق
كما أحاديث الندى عنكم ... تسندها الركبان من طرق «4»
وللشيخ جمال الدين بن نباتة:
روت عنك أخبار المعالي محاسنا ... كفت بلسان الحال عن ألسن الحمد
فوجهك عن بشر وكفك عن عطا ... وخلقك عن نبل ورأيك عن سعد
وقال غيره:
من زار بابك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والسمع عن حسن
ولأبي فراس بن حمدان:
لئن خلق الأنام لحب كأس ... ومزمار وطنبور «5» وعود
فلم يخلق بنو حمدان إلا ... لمجد أو لبأس أو لجود
وقال آخر:
إن الهبات التي جاد الكرام بها ... مطروقة وندى كفيك مبتكر «6»
ما زلت تسبق حتى قال حاسدكم ... له طريق إلى العلياء مقتصر
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

ولمحمد بن مناذر في آل برمك:

ولمحمد بن مناذر في آل برمك:
أتانا بنو الأملاك من آل برمك ... فيا طيب أخبار وأحسن منظر
لهم رحلة في كل عام إلى الندا ... وأخرى إلى البيت العتيق المنور
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلا لجود أكفهم ... وأقدامهم إلا لسعي مظفر
إذا رام يحيى الأمر ذلت صعابه ... وناهيك من داع له ومدبر
ولما عزل إبراهيم بن المنذر عن صدقات البصرة تلقاه مجنون وأنشد:
(1/242)
ليت شعري أي قوم أجدبوا ... فأغيثوا بك من بعد العجف «1»
نظر الله لهم من بيننا ... وحرمناك بذنب قد سلف
يا أبا إسحاق سر في دعة «2» ... وامض مصحوبا فما منك خلف
إنما أنت ربيع باكر ... حيثما صرفه الله انصرف
وقال آخر:
لو كان يقعد فوق الشمس وارتفعوا ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس وارتفعوا ... إلى السماء فأنتم سادة الناس
وللحسين بن مطير الأسدي في المهدي:
لو يعبد الناس يا مهدي أفضلهم ... ما كان في الناس إلا أنت معبود
أضحت يمينك من جود مصورة ... لا بل يمينك منها صور الجود
لو أن من نوره مثقال خردلة ... في السود طرا إذن لابيضت السود
وقال آخر:
أوليتني نعما وفضلا زائدا ... وبررتني حتى رأيتك والدا «3»
أقسمت لو جاز السجود لمنعم ... ما كنت إلا راكعا لك ساجدا
وقال آخر:
ثناؤك في الدنيا من المسك أعطر ... وحظك في الدنيا جزيل موقر «4»
وكفك بحر والأنامل أنهر ... رعى الله كفا فيه بحر وأنهر
أعيذك بالرحمن من كل حاسد ... فلا زالت الحساد تغبى وتصغر «5»
لساني قصير في مديحك سيدي ... لأني فقير والفقير مقصر
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

الفصل الثاني من هذا الباب في شكر النعمة

الفصل الثاني من هذا الباب في شكر النعمة
أما الشكر الواجب على جميع الخلائق فشكر القلب، وهو أن يعلم العبد أن النعمة من الله عز وجل، وأن لا نعمة على الخلق من أهل السموات والأرض إلا وبدايتها من الله تعالى حتى يكون الشكر لله عن نفسك، وعن غيرك والدليل على أن الشكر محله القلب وهو المعرفة. قوله تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله
«6» .
أيقنوا أنها من الله.
وقيل: الشكر معرفة العجز عن الشكر وقد روي أن داود عليه السلام قال: إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله تعالى إليه: الآن قد شكرتني. وفي هذا يقال الشكر على الشكر أتم الشكر.
ولمحمود الوراق:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
إذا مس بالسراء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
فما منهما إلا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والسر والجهر
وفي مناجاة موسى عليه السلام: إلهي خلقت آدم بيدك، وفعلت وفعلت، فكيف أشكرك؟ فقال: إعلم إن ذلك مني، فكانت معرفته بذلك شكره لي. وأما شكر اللسان، فقد قال الله تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث 11
«7» .
ويروى عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بالنعم شكر» .
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: تذكروا النعم، فإن ذكرها شكر. وأما الشكر الذي في الجوارح، فقد قال الله تعالى: اعملوا آل داود شكرا
«8» الآية، فجعل العمل شكرا.


مع تحيات جامعة المدينة العالمية
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام حتى تورمت قدماه..

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام حتى تورمت قدماه، فقيل له:
يا رسول الله: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا لله شكورا.
وقال أبو هارون: دخلت على أبي حازم، فقلت له:
يرحمك الله ما شكر العينين: قال: إذا رأيت بهما خيرا ذكرته، وإذا رأيت بهما شرا سترته، قلت: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعت بهما خيرا حفظته، وإذا سمعت بهما شرا نسيته.
وفي حكمة إدريس عليه الصلاة والسلام: لن يستطيع أحد أن يشكر الله على نعمة بمثل الإنعام على خلقه ليكون صانعا إلى الخلق مثل ما صنع الخالق إليه، فإذا أردت أن تحرس دوام النعمة من الله تعالى عليك، فأدم مواساة الفقراء. وقد وعد الله تعالى عباده بالزيادة على الشكر، فقال تعالى: لئن شكرتم لأزيدنكم
«1» . وقد جعل لعباده علامة يعرف بها الشاكر، فمن لم يظهر عليه المزيد علمنا أنه لم يشكر، فإذا رأينا الغني يشكر الله تعالى بلسانه، وماله في نقصان علمنا أنه قد أخل بالشكر، إما أنه لا يزكي ماله أو يزكيه لغير أهله، أو يؤخره عن وقته، أو يمنع حقا واجبا عليه من كسوة عريان، أو إطعام جائع أو شبه ذلك، فيدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو صدق السائل ما أفلح من رده» .
قال الله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
«2» . وإذا غيروا ما بهم من الطاعات غير الله ما بهم من الإحسان.
وقال بعض الحكماء من أعطي أربعا لم يمنع من أربع، من أعطي الشكر لا يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لا يمنع القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب.
وقال المغيرة بن شعبة: أشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك، فإنه لا بقاء للنعم إذا كفرت، ولا زوال لها إذا شكرت.
وكان الحسن يقول: ابن آدم متى تنفك «3» من شكر النعمة وأنت مرتهن بها «4» ، كلما شكرت نعمة تجد ذلك بالشكر أعظم منها عليك، فأنت لا تنفك بالشكر من نعمة إلا إلى ما هو أعظم منها «5» .
وروي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دعي إلى أقوام ليأخذهم على ريبة، فافترقوا قبل أن يأخذهم عثمان، فأعتق رقبة شكرا لله تعالى إذ لم يجر على يديه فضيحة مسلم.
ويروى أن نملة قالت لسليمان بن داود عليهما السلام:
يا نبي الله أنا على قدري أشكر لله منك، وكان راكبا على فرس ذلول «6» فخر ساجدا لله تعالى، ثم قال: لولا أني أبجلك لسألتك عن أن تنزع مني ما أعطيتني.
وقال صدقة بن يسار: بينما داود عليه السلام في محرابه إذ مرت به دودة، فتفكر في خلقها، وقال: ما يعبأ الله بخلق هذه، فأنطقها الله تعالى له، فقال له: يا داود تعجبك نفسك، وأنا على قدر ما آتاني الله تعالى أذكر لله وأشكر له منك على ما آتاك.
وقال علي رضي الله عنه: احذروا إنفار النعم «7» فما كل شارد مردود. وعنه عليه السلام: إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا اتصالها بقلة الشكر. وقيل: إذا قصرت يداك عن المكافأة، فليطل لسانك بالشكر. وقال حكيم:
الشكر ثلاث منازل: ضمير القلب، ونشر اللسان «8» ومكافأة اليد. قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

وقال ابن عائشة: كان يقال ما أنعم الله على عبد نعمة،..

وقال ابن عائشة: كان يقال ما أنعم الله على عبد نعمة، فظلم بها إلا كان له حقا على الله تعالى أن يزيلها عنه، وأنشد أبو العباس بن عمارة في المعنى:
أعارك ماله لتقوم فيه ... بواجبه وتقضي بعض حقه
فلم تقصد لطاعته ولكن ... قويت على معاصيه برزقه
وقال آخر:
ولو أن لي في كل منبت شعرة ... لسانا يطيل الشكر كنت مقصرا
(1/244)
وقال محمد بن حبيب الراوية: إذا قل الشكر خسر المن. وروي: إذا جحدت الصنيعة خسر الامتنان. وسئل بعض الحكماء: ما أضيع الأشياء؟ قال: مطر الجود في أرض سبخة لا يجف ثراها «1» ، ولا ينبت مرعاها، وسراج يوقد في الشمس «2» ، وجارية حسناء تزف إلى أعمى «3» ، وصنيعة تسدى إلى من لا يشكرها.
وقال عبد الأعلى بن حماد: دخلت على المتوكل، فقال: يا أبا يحيى: قد هممنا أن نصلك بخير فتدافعته الأمور، فقلت: يا أمير المؤمنين بلغني عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: من لم يشكر الهمة لم يشكر النعمة. وأنشدته:
لأشكرن لك معروفا هممت به ... فإن همك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشر بالقدر المحتوم مصروف
وقال أبو فراس بن حمدان:
وما نعمة مكفورة قد صنعتها ... إلى غير ذي شكر تمانعني أخرى
سآتي جميلا ما حييت فإنني ... إذا لم أفد شكرا أفدت به أجرا
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من امتطى الشكر بلغ به المزيد. وقيل: من جعل الحمد خاتمة النعمة جعله الله فاتحة للمزيد. وقال ابن السماك: النعمة من الله تعالى على عبده مجهولة، فإذا فقدت عرفت. وقيل: من لم يشكر على النعمة فقد استدعى زوالها. وكان يقال: إذا كانت النعمة وسيمة، فاجعل الشكر لها تميمة.
وقال حكيم: لا تصطنعوا ثلاثة، اللئيم فإنه بمنزلة الأرض السبخة، والفاحش فإنه يرى أن الذي صنعت إليه إنما هو لمخافة فحشه، والأحمق فإنه لا يعرف قدر ما أسديت إليه. وإذا اصطنعت الكريم فازرع المعروف واحصد الشكر. ودخل أبو نخيلة على السفاح لينشده، فقال: ما عسيت أن تقول بعد قولك لمسلمة:
أمسلمة يا فخر كل خليفة ... ويا فارس الدنيا ويا جبل الأرض
شكرتك إن الشكر دين على الفتى ... وما كل من أوليته نعمة يقضي
وأحييت لي ذكري وما كان خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
وسمعه الرشيد فقال: هكذا يكون شعر الأشراف مدح صاحبه، ولم يضع نفسه.
وعن نصر بن سيار عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أنعم على رجل نعمة فلم يشكر له فدعا عليه استجيب له» . ثم قال نصر:
اللهم إني أنعمت على بني سام فلم يشكروا، اللهم اقتلهم، فقتلوا كلهم.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

..أن قوما من الأكراد يقطعون الطريق

وبلغ عضد الدولة أن قوما من الأكراد يقطعون الطريق، ويقيمون في جبال شامخة ولا يقدر عليهم، فاستدعى بعض التجار ودفع إليه بغلا عليه صندوقان فيهما حلوى مسمومة كثيرة الطيب في ظروف فاخرة، ودنانير وافرة، وأمره أن يسير مع القافلة ويظهر أن هذه هدية لإحدى نساء الأمراء، ففعل التاجر ذلك، وسار أمام القافلة، فنزل القوم، فأخذوا الأمتعة والأموال، وانفرد أحدهم بالبغل، وصعد به الجبل، فوجد به الحلوى، فقبح على نفسه أن ينفرد بها دون أصحابه، فاستدعاهم، فأكلوا على مجاعة، فماتوا عن آخرهم، وأخذ أرباب الأموال أموالهم.
وأتي لبعض الولاة برجلين قد اتهما بسرقة، فأقامهما بين يديه، ثم دعى بشربة ماء، فجيء له بكوز، فرماه بين يديه، فارتاع أحدهما وثبت الآخر، فقال للذي ارتاع: اذهب إلى حال سبيلك، وقال للآخر: أنت أخذت المال، وتلذذت به، وتهدده فأقر، فسئل عن ذلك، فقال: إن اللص قوي القلب، والبريء يجزع ولو تحرك عصفور لفزع منه.
وقصد رجل الحج، فاستودع إنسانا مالا، فلما عاد طلبه منه، فجحده المستودع، فأخبر بذلك القاضي أياسا، فقال: أعلم بأنك جئتني؟ قال: لا، قال: فعد إلي بعد يومين، ثم إن القاضي إياسا بعث إلى ذلك الرجل، فأحضره، ثم قال له: إعلم أنه قد تحصلت عندي أموال كثيرة لأيتام وغيرهم وودائع للناس وإني مسافر سفرا بعيدا وأريد أن أودعها عندك لما بلغني من دينك وتحصين منزلك، فقال: حبا وكرامة. قال: فاذهب وهيىء موضعا للمال وقوما يحملونه، فذهب الرجل وجاء صاحب الوديعة، فقال له القاضي إياس: امض إلى صاحبك، وقل له إدفع إلي مالي وإلا شكوكتك للقاضي أياس، فلما جاء، وقال له ذلك دفع إليه ماله واعتذر إليه، فأخذه وأتى إلى القاضي إياس وأخبره. ثم بعد ذلك أتى الرجل ومعه الحمالون لطلب الأموال التي ذكرها له القاضي، فقال له القاضي بعد أن أخذ الرجل ماله منه: بدا لي ترك السفر امض لشأنك لا أكثر الله في الناس مثلك.
ولما أراد شيرويه قتل أبيه ابرويز قال إبرويز للداخل عليه ليقتله: إني لأدلك على شيء فيه غناك لوجوب حقك علي. قال: وما هو؟ قال: الصندوق الفلاني فلما قتله وذهب إلى شيرويه وأخبره الخبر، فأخرج الصندوق فإذا فيه حق فيه حب، ورقعة مكتوب فيها: من تناول منه حبة
(1/341)
واحدة افتض عشرة أبكار. وكان لشيرويه غرام في الباه، فتناول منه حبة فهلك من ساعته، فكان أبرويز أول مقتول أخذ بثأره من قاتله.
ولما بايع الرشيد لأولاده الثلاثة بولاية العهد تخلف رجل مذكور من الفقهاء، فقال له الرشيد: لم تخلفت؟
فقال: عاقني عائق، فقال: اقرأوا عليه كتاب البيعة، فقال يا أمير المؤمنين: هذه البيعة في عنقي إلى قيام الساعة، فلم يفهم الرشيد ما أراد، وظن أنه إلى قيام الساعة يوم الحشر، وما أراد الرجل إلا قيامه من المجلس.
وقال المغيرة بن شعبة: لم يخدعني غير غلام من بني الحرث بن كعب، فإني ذكرت امرأة منهم لأتزوجها، فقال: أيها الأمير لا خير لك فيها، فقلت: ولم؟ قال:
رأيت رجلا يقبلها، فاعرض عنها، فتزوجها الفتى، فلمته، وقلت ألم تخبرني أنك رأيت رجلا يقبلها؟ قال: نعم رأيت أباها يقبلها. وأتى رجل إلى الأحنف، فلطمه، فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: جعل لي جعل على أن ألطم سيد بني تميم، فقال: لست بسيدهم عليك بحارثة بن قدامة، فإنه سيدهم، فمضى إليه، فلطمه، فقطعت يده.
وقال الشعبي: وجهني عبد الملك إلى ملك الروم، فقال لي: من أهل بيت الخلافة أنت؟ قلت: لا، ولكني رجل من العرب، فكتب إلى عبد الملك رقعة ودفعها إلي، فلما قرأها عبد الملك قال لي: أتدري ما فيها؟
قلت: لا، قال فيها: «العجب لقوم فيهم مثل هذا كيف يولون أمرهم غيره» . قال: أتدري ما أراد بهذا؟ قلت: لا، قال: حسدني عليك، فأراد أن أقتلك، فقلت: إنما كبرت عنده يا أمير المؤمنين لأنه لم يترك شيئا إلا سألني عنه، وأنا أجيبه، فبلغ ملك الروم ما قاله عبد الملك للشعبي.
فقال: لله أبوه ما عدا ما في نفسي.
ولما ولى عبد الملك بن مروان أخاه بشرا الكوفة، وكان شابا ظريفا غزلا، بعث معه روح بن زنباع وكان شيخا متورعا، فثقل على بشر مرافقته، فذكر ذلك لندمائه، فتوصل بعض ندمائه إلى أن دخل بيت روح بن زنباع ليلا في خفية، فكتب على حائط قريب في مجلسه هذه الأبيات:
يا روح من لبنيات وأرملة ... إذا نعاك لأهل المغرب الناعي
إن ابن مروان قد حانت منيته ... فاحتل بنفسك يا روح بن زنباع
فتخوف من ذلك وخرج من الكوفة، فلما وصل إلى عبد الملك أخبره بذلك، فاستلقى على قفاه من شدة الضحك، قال: ثقلت على بشر وأصحابه، فاحتالوا لك.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

ومن الحيل الطريفة:

ومن الحيل الطريفة:
ما حكي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح خيبر وأعرس بصفية، وفرح المسلمون جاءه الحجاج بن علاط السلمي، وكان أول من أسلم في تلك الأيام وشهد خيبر، فقال يا رسول الله: إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة ولي مال متفرق عند تجار مكة، فأذن لي يا رسول الله في العود إلى مكة عسى أسبق خبر إسلامي إليهم، فإني أخاف إن علموا بإسلامي أن يذهب جميع مالي بمكة، فأذن لي لعلي أخلصه، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أحتاج إلى أن أقول، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل، وأنت في حل، قال الحجاج: فخرجت، فلما انتهيت إلى الثنية ثنية البيضاء وجدت بها رجالا من قريش يتسمعون الأخبار، وقد بلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار إلى خيبر، فلما أبصروني قالوا: هذا لعمر الله عنده الخبر، أخبرنا يا حجاج، فقد بلغنا أن القاطع يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم قد سار إلى خيبر، قال: قلت إنه سار إلى خيبر وعندي من الخبر ما يسركم، قال: فأحدقوا حول ناقتي يقولون إيه يا حجاج؟ قال: فقلت هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وأسر محمد وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة، فيقتلونه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم. قال:
فصاحوا بمكة قد جاءكم الخبر وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم، فيقتل بين أظهركم.
قال: فقلت: أعينوني على جمع مالي من غرمائي فإني أريد أن أقدم خيبر، فأغنم من ثقل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى هناك، فقاموا معي، فجمعوا لي مالي كأحسن ما أحب، فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر أقبل علي حتى وقف إلى جانبي، وأنا في خيمة من خيام التجار، فقال: يا حجاج ما هذا الخبر الذي جئت به؟
قال: فقلت وهل عندك حفظ لما أودعه عندك من السر؟
فقال: نعم والله قال: قلت: استأخر عني حتى ألقاك على خلاء، فإني في جمع مالي كما ترى، فانصرف عني حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة، وأجمعت على الخروج، لقيت العباس، فقلت له: احفظ علي حديثي يا أبا الفضل، فإني أخشى أن يتبعوني، فاكتم علي ثلاثة أيام، ثم قل ما شئت. قال: لك علي ذلك. قال:
قلت والله ما تركت ابن أخيك إلا عروسا على ابنة ملكهم يعني صفية، وقد افتتح خيبر، وغنم ما فيها، وصارت له ولأصحابه. قال: أحق ما تقول يا حجاج؟ قال: قلت أي
(1/342)
والله، ولقد أسلمت، وما جئت إلا مسلما لآخذ مالي خوفا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاثة، فاظهر أمرك فهو والله على ما تحب، قال: فلما كان في اليوم الرابع لبس العباس حلة له وتخلق بالطيب، وأخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى الكعبة، فطاف بها، فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل هذا والله هو التجلد لحر المصيبة، قال: كلا والذي حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيهم، فأصبحت له ولأصحابه، قالوا:
من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلما وأخذ ماله وانطلق ليلحق محمدا وأصحابه ليكون معهم. قالوا: تفلت عدو الله أما والله لو علمنا به لكان لنا وله شأن. قال: ولم يلبثوا أن جاءهم الخبر بذلك، فتوصل الحجاج بفطنته واحتياله إلى تخليصه وتحصيل ماله.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

ولما اجتمعت الأحزاب على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم..

ولما اجتمعت الأحزاب على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الخندق، وقصدوا المدينة، وتظاهروا وهم في جمع كثير وجم غفير من قريش وغطفان، وقبائل العرب وبني النضير، وبني قريظة من اليهود، ونازلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، واشتد الأمر، واضطرب المسلمون، وعظم الخوف على ما وصفه الله تعالى في قوله تعالى: إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا 10 هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا 11
«1» . فجاء نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال له رسول الله: خذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة، فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان نديما لهم في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة: قد علمتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، فإن البلد بلدكم وبه أموالكم، وأبناؤكم، ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه وأموالهم، وأولادهم ونساؤهم بغير بلدكم، وليسوا مثلكم لأنهم إن رأوا فرصة اغتنموها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديهم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا، قالوا: أشرت بالرأي، ثم أتى قريشا، فقال لأبي سفيان بن حرب: وكان إذ ذاك قائد المشركين من قريش ومن معه من كبراء قريش: قد علمتم ودي لكم، وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمر وأحببت أن أبلغكموه نصحا لكم، فاكتموه علي. قالوا: نعم، قال: اعلموا أن معشر يهود بني قريظة قد ندموا على ما فعلوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه يقولون: إنا قد ندمنا على نقض العهد الذي بيننا وبينك، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم، فنسلمهم إليك، فتضرب رقابهم، ثم نكون معك على من بقي منهم، فنستأصلهم، فأرسل يقول نعم. فإن بعث إليكم يهود بني قريظة يلتمسون منكم رهائن من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا، ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم، فلما كانت ليلة السبت أرسل أبو سفيان رءوس بني غطفان إلى بني قريظة يقولون لهم: إنا لسنا بدار مقام، وقد هلك الخف والحافر، فاعتدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ فيما بيننا وبينه، فأرسلوا يقولون لهم: إن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن دهمتكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجال في بلدنا ولا طاقة لنا به، فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة يقولون: إنا لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال، فاخرجوا وقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل: إن الكلام الذي ذكره نعيم بن مسعود لحق، وما يريد القوم إلا أن تقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك شمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان إنا لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم، فخذل الله تعالى بينهم، وأرسل عليهم الريح، فتفرقوا وارتحلوا. وكان هذا من لطف الله تعالى أن ألهم نعيم بن مسعود هذه الفتنة وهداه إلى اليقظة التي عم نفعها وحسن وقعها.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

وأما ما جاء في التيقظ والتبصر في الأمور:

وأما ما جاء في التيقظ والتبصر في الأمور:
فقد قالت الحكماء: من أيقظ نفسه وألبسها لباس
(1/343)
التحفظ أيس عدوه من كيده له وقطع عنه أطماع الماكرين به. وقالوا: اليقظة حارس لا ينام وحافظ لا ينسام، وحاكم لا يرتشي، فمن تدرع بها أمن من الاختلال والغدر والجور والكيد والمكر.
وقيل: إن كسرى أنو شروان كان أشد الناس تطلعا في خفايا الأمور، وأعظم خلق الله تعالى في زمانه تفحصا وبحثا عن أسرار الصدور، وكان يبث العيون على الرعايا والجواسيس في البلاد ليقف على حقائق الأحوال، ويطلع على غوامض القضايا، فيعلم المفسد فيقابله بالتأديب، والمصلح فيجازيه الإحسان، ويقول: متى غفل الملك عن تعرف ذلك، فليس له من الملك إلا اسمه، وسقطت من القلوب هيبته.
وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ليلة من الليالي يطوف يتفقد أحوال المسلمين، فرأى بيتا من الشعر مضروبا، لم يكن قد رآه بالأمس، فدنا منه، فسمع فيه أنين امرأة، ورأى رجلا قاعدا، فدنا منه وقال له: من الرجل؟
فقال له: رجل من البادية قدمت إلى أمير المؤمنين لأصيب من فضله، قال: فما هذا الأنين؟ قال: امرأة تتمخض قد أخذها الطلق قال: فهل عندها أحد؟ قال: لا، فانطلق عمر فجاء إلى منزله، فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب بنت فاطمة الزهراء رضي الله عنهما: هل لك في أجر قد ساقه الله تعالى لك؟ قالت: وما هو؟ قال:
امرأة تتمخض ليس عندها أحد. قالت: إن شئت، قال:
فخذي معك ما يصلح للمرأة من الخرق والدهن، وائتني بقدر وشحم وحبوب. فجاءت به، فحمل القدر، ومشت خلفه حتى أتى البيت، فقال: ادخلي إلى المرأة، ثم قال للرجل: أوقد لي نارا، ففعل، فجعل عمر ينفخ النار ويضرمها والدخان يخرج من خلال لحيته حتى أنضجها وولدت المرأة، فقالت أم كلثوم رضي الله عنها: بشر صاحبك يا أمير المؤمنين بغلام، فلما سمعها الرجل تقول يا أمير المؤمنين ارتاع وخجل، وقال: واخجلتاه منك يا أمير المؤمنين أهكذا تفعل بنفسك؟ قال: يا أخا العرب:
من ولي شيئا من أمور المسلمين ينبغي له أن يتطلع على صغير أمورهم وكبيره، فإنه عنها مسؤول، ومتى غفل عنها خسر الدنيا والآخرة. ثم قام عمر رضي الله عنه، وأخذ القدر من على النار وحملها إلى باب البيت، وأخذتها أم كلثوم، وأطعمت المرأة، فلما استقرت وسكنت طلعت أم كلثوم، فقال عمر رضي الله عنه للرجل: قم إلى بيتك وكل ما في البرمة، وفي غد ائت إلينا، فلما أصبح جاءه، فجهزه بما أغناه به وانصرف.
وكان رضي الله عنه من شدة حرصه على تعرف الأحوال وإقامة قسطاس العدل وإزاحة أسباب الفساد وإصلاح الأمة يعس «1» بنفسه، ويباشر أمور الرعية سرا في كثير من الليالي، حتى أنه في ليلة مظلمة خرج بنفسه فرأى في بعض البيوت ضوء سراج، وسمع حديثا، فوقف على الباب يتجسس، فرأى عبدا أسود قدامه إناء فيه مزر وهو يشرب ومعه جماعة، فهم بالدخول من الباب، فلم يقدر من تحصين البيت، فتسور على السطح ونزل إليهم من الدرجة، ومعه الدرة، فلما رأوه قاموا، وفتحوا الباب وانهزموا فأمسك الأسود، فقال له يا أمير المؤمنين: قد أخطأت وإني تائب، فاقبل توبتي، فقال: أريد أن أضربك على خطيئتك. فقال يا أمير المؤمنين: إن كنت قد أخطأت في واحدة، فأنت قد أخطأت في ثلاث: فإن الله تعالى قال: ولا تجسسوا
«2» وأنت تجسست، وقال تعالى:
وأتوا البيوت من أبوابها
«3» وأنت أتيت من السطح، وقال تعالى: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها
«4» ، وأنت دخلت وما سلمت، فهب هذه لهذه، وأنا تائب إلى الله تعالى على يدك أن لا أعود، فاستتابه، فاستحسن كلامه.
وله رضي الله تعالى عنه وقائع كثيرة مثل هذه.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

وكان معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه قد سلك..

وكان معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه قد سلك طريق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ذلك، وكان زياد بن أبيه يسلك مسلك معاوية في ذلك حتى نقل عنه أن رجلا كلمه في حاجة له وجعل يتعرف إليه ويظن أن زيادا لا يعرفه، فقال: أنا فلان ابن فلان فتبسم زياد وقال له: أتتعرف إلي، وأنا أعرف بك منك بنفسك؟.
والله إني لأعرفك وأعرف أباك وأعرف أمك، وأعرف جدك وجدتك، وأعرف هذه البردة التي عليك وهي لفلان، وقد أعارك إياها. فبهت الرجل وارتعد، حتى كاد يغشى عليه.
ثم جاء بعدهم من اقتدى بهم وهو: عبد الملك بن مروان، والحجاج، ولم يسلك بعدهما ذلك الطريق،
(1/344)
واقتفى آثار ذلك الفريق إلا المنصور ثاني خلفاء بني العباس ولي الخلافة بعد أخيه السفاح، وهي في غاية الاضطراب فنصب العيون، وأقام المتطلعين، وبث في البلاد والنواحي من يكشف له حقائق الأمور والرعايا، فاستقامت له الأمور، ودانت له الجهات ولقد ابتلي في خلافته بأقوام نازعوه، وأرادوا خلعه، وتمردوا عليه، وتكاثروا، فلولا أن الله تعالى أعانه بتيقظه وتبصره ما ثبت له في الخلافة قدم، ولا رفع له مع قصد أولئك القاصدين علم، لكنه بث العيون فعرف من انطوى على خلافه فعالجه باتلافه، واطلع على عزائم المعاندين فقطع رؤوس عنادهم بأسيافه، وكان بكمال يقظته يتلقى المحذور بدفعه دون رفعه، ويعاجل المخوف بتفريق شمله قبل جمعه، فذلت له الرقاب ولانت لخلافته الصعاب، وقرر قواعدها وأحكمها بأوثق الأسباب.
فمن آثار يقظته وفطنته ما نقله عنه عقبة الأزدي قال:
دخلت مع الجند على المنصور فارتابني، فلما خرج الجند أدناني وقال لي: من أنت؟ فقلت: رجل من الأزد، وأنا من جند أمير المؤمنين قدمت الآن مع عمر بن حفص.
فقال: إني لأرى لك هيبة وفيك نجابة، وإني أريدك لأمر وأنا به معنى، فإن كفيتنيه رفعتك، فقلت: إني لأرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين. فقال: أخف نفسك واحضر في يوم كذا. قال: فغبت عنه إلى ذلك اليوم، وحضرت، فلم يترك عنده أحدا، ثم قال لي: اعلم أن بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلا كيد ملكنا واغتياله ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف بلادهم، فخذ معك عينا «1» من عندي، وألطافا «2» ، وكتبا، واذهب حتى تأتي عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فاقدم عليه متخشعا، والكتب على ألسنة أهل تلك القرية والألطاف من عندهم إليه، فإذا رآك، فإنه سيردك ويقول لا أعرف هؤلاء القوم، فاصبر عليه وعاوده وقل له: قد سيروني سرا، وسيروا معي ألطافا وعينا، وكلما جبهك، وأنكر أصبر عليه، وعاوده، واكشف باطن أمره، قال عقبة: فأخذت كتبه والعين والألطاف، وتوجهت إلى جهة الحجاز حتى قدمت على عبد الله بن الحسن، فلقيته بالكتب، فأنكرها ونهرني وقال: ما أعرف هؤلاء القوم قال عقبة: فلم أنصرف، وعاودته القول وذكرت له اسم القرية وأسماء أولئك القوم، وأن معي ألطافا، وعينا، فأنس بي، وأخذ الكتب وما كان معي. قال عقبة: فتركته ذلك اليوم، ثم سألته الجواب، فقال: أما كتاب، فلا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فاقرئهم السلام وأخبرهم أن ابني محمدا وإبراهيم خارجان لهذا الأمر وقت كذا وكذا، قال عقبة: فخرجت من عنده، وسرت حتى قدمت على المنصور فأخبرته بذلك، فقال لي المنصور: إني أريد الحج، فإذا صرت بمكان كذا وكذا وتلقاني بنو الحسن وفيهم عبد الله، فإني أعظمه وأكرمه وأرفعه، وأحضر الطعام، فإذا فرغ من أكله، ونظرت إليه، فتمثل بين يدي، وقف قدامه، فإنه سيصرف وجهه عنك، فدر حتى تقف من ورائه واغمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملأ عينيه منك، ثم انصرف عنه، وإياك أن يراك وهو يأكل. ثم خرج المنصور يريد الحج حتى إذا قارب البلاد تلقاه بنو الحسن، فأجلس عبد الله إلى جانبه وحادثه، فطلب الطعام للغداء فأكلوا معه، فلما فرغوا أمر برفعه، فرفع، ثم أقبل على عبد الله بن الحسن وقال: يا أبا محمد قد علمت أن مما أعطيتني من العهود والمواثيق أنك لا تريدني بسوء ولا تكيد لي سلطانا، قال: فأنا على ذلك يا أمير المؤمنين.
قال عقبة: فلحظني المنصور بعينه، فقمت حتى وقفت بين يدي عبد الله بن الحسن، فأعرض عني، فدرت من خلفه وغمزت ظهره بإبهام رجلي، فرفع رأسه وملأ عينيه مني ثم وثب حتى جثى بين يدي المنصور وقال: أقلني يا أمير المؤمنين أقالك الله. فقال له المنصور: لا أقالني الله إن لم أقتلك، وأمر بحبسه وجعل يتطلب ولديه محمد وإبراهيم ويستعلم أخبارهما. قال علي الهاشمي صاحب غدائه، دعاني المنصور يوما فإذا بين يديه جارية صفراء، وقد دعا لها بأنواع العذاب وهو يقول لها: ويلك إصدقيني، فو الله ما أريد إلا الألفة، ولئن صدقتيني لأصلن رحمه ولأتبعن البر إليه. وإذا هو يسألها عن محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وهي تقول: لا أعرف له مكانا، فأمر بتعذيبها، فلما بلغ العذاب منها أغمي عليها، فقال: كفوا عنها، فلما رأى أن نفسها كادت تتلف قال: ما دواء مثلها؟ قالوا: شم الطيب وصب الماء البارد على وجهها وأن تسقى السويق، ففعلوا بها ذلك، وعالج المنصور بعضه بيده، فلما أفاقت سألها عنه، فقالت:
لا أعلم، فلما رأى إصرارها على الجحود قال لها:
أتعرفين فلانة الحجامة، فلما سمعت منه ذلك تغير وجهها وقالت: نعم يا أمير المؤمنين تلك من بني سليم قال:


(1/345)
صدقت. هي والله أمتي إبتعتها بمالي ورزقي يجري عليها في كل شهر، وكسوة شتائها وصيفها من عندي سيرتها، وأمرتها أن تدخل منازلكم وتحجمكم وتتعرف أحوالكم وأخباركم، ثم قال لها: أتعرفين فلانا البقال؟ قالت: نعم يا أمير المؤمنين هو في بني فلان، قال: صدقت هو والله غلامي دفعت إليه مالا، وأمرته أن يبتاع به ما يحتاج إليه من الأمتعة، وأخبرني أن أمة لكم يوم كذا وكذا جاءت إليه بعد صلاة المغرب تسأله حناء، وحوائج، فقال لها: ما تصنعين بهذا؟ قالت: كان محمد بن عبد الله بن الحسن في بعض الضياع بناحية البقيع، وهو يدخل الليلة، وأردنا هذا ليتخذ النساء ما يحتحن إليه عند دخول أزواجهن من المغيب. فلما سمعت الجارية هذا الكلام من المنصور ارتعدت من شدة الخوف، وأذعنت له بالحديث وحدثته بكل ما أراد. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

الباب الثاني والستون في ذكر الدواب والوحوش والطير والهوام والحشرات وما أشبه ذلك مرتبا

الباب الثاني والستون في ذكر الدواب والوحوش والطير والهوام والحشرات وما أشبه ذلك مرتبا على حروف المعجم
(حرف الهمزة) :
(الأسد)
من السباع، والأنثى أسدة، وله أسماء كثيرة، فمن أشهرها: أسامة، والحرث، وقسورة، والغضنفر، وحيدرة، والليث، والضرغام. ومن كناه: أبو الأبطال، وأبو شبل، وأبو العباس، وهو أنواع. منها ما وجهه وجه إنسان، وشكل جسده كالبقر، وله قرون سود نحو شبر، ومنها ما هو أحمر كالعناب وغير ذلك، وتلده أمه قطعة لحم، وتستمر تحرسه ثلاثة أيام، ثم يأتي أبوه فينفخ فيه، فتنفرج أعضاؤه وتتشكل صورته، ثم ترضعه، وتستمر عيناه مغلوقة سبعة أيام، ثم تفتتح ويقيم على تلك الحالة بين أبيه وأمه إلى ستة أشهر، ثم يتكلف الكسب بعد ذلك وله صبر على الجوع والعطش وعنده شرف نفس يقال أنه لا يعاود فريسته، ولا يأكل من فريسة غيره، ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب وفي ذلك يقول بعضهم:
سأترك حبكم من غير بغض ... وذاك لكثرة الشركاء فيه
إذا وقع الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب يلغن فيه
وإذا أكل نهش نهشا، وريقه قليل جدا، ولذلك يوصف بالبخر «1» ، وعنده شجاعة وجبن وكرم، فمن شجاعته الإقدام على الأمور، وعدم الإكتراث بالغير، ومن جبنه:
أنه يفر من صوت الديك والسنور، والطست، ويتحير عند رؤية النار. ومن كرمه: أنه لا يقرب المرأة خصوصا إذا كانت حائضا. وقيل: أربع عيون تضيء بالليل، عين الأسد، وعين النمر، وعين السنور، وعين الأفعى.
وروي أنه لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: والنجم إذا هوى 1
«2» قال عتبة بن أبي لهب: كفرت برب النجم يعني نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ينهشه، فخرج مع أصحابه في عير «3» إلى الشام حتى إذا كانوا بمكان يقال له الزرقاء، زأر الأسد، فجعلت فرائصه ترتعد، فقالوا له: من أي شيء ترتعد فرائصك، فو الله ما نحن وأنت إلا سواء؟ فقال: إن محمدا دعا علي:
وو الله ما أظلت السماء من ذي لهجة أصدق من محمد. ثم وضعوا العشاء، فلم يدخل يده فيه، ثم جاء النوم، فحاطوا أنفسهم بمتاعهم، وجعلوه بينهم، وناموا، فجاء الأسد يتهمس وشمهم رجلا رجلا حتى انتهى إليه، فضغطه ضغطة كانت إياها، فسمع وهو بآخر رمق يقول: ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس.
ولبعضهم في الأسد:
عبوس شموس مصلخد مكابد ... جريء على الأقران للقرن قاهر «4»
براثنه شثن وعيناه في الدجى ... كجمر الغضى في وجهه الشر ظاهر «5»
(1/346)
يديل بأنياب حداد كأنها ... إذا قلص الأشداق عنها خناجر
فائدة: إذا أقبلت على واد مسبع، فقل أعوذ بدانيال والجب من شر الأسد، وسبب ذلك على ما قيل: إن يختنصر رأى في نومه أن هلاكه يكون على يد مولود، فجعل يأمر بقتل الأطفال، فخافت أم دانيال عليه، فجاءت إلى بئر، فألقته فيه، فأرسل الله له أسدا يحرسه، وقيل: إن بختنصر توهم ذلك في دانيال، فضرى له أسدين وجعلهما في الجب وألقاه عليهما، فلم يؤذياه، وصار يبصبصان حوله، ويلحسانه، فأقام ما شاء الله تعالى أن يقيم، ثم اشتهى الطعام والشراب، فأوحى الله تعالى إلى أرمياء بالشأم أن إذهب إلى أخيك دانيال بجب كذا بمكان كذا.
قال أرمياء: فسرت إلى ذلك الموضع، فلما وقفت على رأس الجب ناديته، فعرفني فقال: من أرسلك إلي؟ قلت:
أرسلني الله إليك بطعام وشراب، فقال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من قصده، والحمد لله الذي من وثق به لا يكله إلى غيره، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا وبالصبر نجاة وغفرانا، والحمد لله الذي يكشف ضرنا بعد كربنا والحمد لله الذي هو ثقتنا حين تسوء ظنوننا بأعمالنا، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا. قال: ثم صعد به أرمياء من الجب، وأقام عنده مدة، ثم فارقه ورجع.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

وحكي أن يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام مر...

وحكي أن يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام مر بقبر دانيال عليه الصلاة والسلام، فسمع منه صوتا يقول:
سبحان من تعزز بالقدرة وقهر العباد بالموت. قال بعض الصالحين: من قال هذه الكلمات استغفر له كل شيء.
وحكي أن إبراهيم بن أدهم كان في سفره ومعه رفقة، فخرج عليهم الأسد، فقال لهم: قولوا أللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، فلا نهلك وأنت رجاؤنا يا ألله يا ألله يا ألله.
قال: فولى الأسد هاربا.
وقيل: لما حمل نوح عليه الصلاة والسلام في سفيننه من كل زوجين اثنين قال أصحابه: كيف نطمئن ومعنا الأسد؟ فسلط الله عليه الحمى، وهي أول حمى نزلت في الأرض، ثم شكوا إليه العذرة، فأمر الله تعالى الخنزير، فعطس فخرج منه الفأر، فلما كثر زاد ضرره، فشكوا ذلك لنوح عليه الصلاة والسلام، فأمر الله سبحانه وتعالى الأسد، فعطس، فخرج منه الهر، فحجب الفأر عنهم، ويحرم أكل السبع لنهيه عليه الصلاة والسلام عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير.
خواصه: فمن خواصه أن صوته يقتل التماسيح، وشحمه من طلى به يده لم يقربه سبع، ومرارة الذكر منه تحل المعقود، ولحمه ينفع من الفالج، وإذا وضعت قطعة من جلده في صندوق لم يقربه سوس ولا أرضة، وإذا وضع على جلد غيره من السباع تساقط شعره، وهو من الحيوان الذي يعيش ألف سنة على ما ذكر «1» ، وعلامة ذلك كثرة سقوط أسنانه.
(الإبل)
قيل: ما خلق الله شيئا من الدواب خيرا من الإبل. إن حملت أثقلت، وإن سارت أبعدت، وإن حلبت أروت، وإن نحرت أشبعت. وفي الحديث: «الإبل عز لأهلها والغنم بركة، والخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» ، وهي من الحيوان العجيب، وإن كان عجبه قد سقط لكثرة مخالطته الناس، وقد أطاعها الله للآدمي وغيره حتى قيل: إن قطارا كان ببعض حبله دهن، فمرت فأرة، فجذبته، فسار معها القطار بواسطة جذبها له، وهي مراكب البر، ولذلك قرنها الله تعالى بالسفن فقال تعالى:
وعليها وعلى الفلك تحملون 22
«2»
. ولما كانت مراكب البر والبر فيه ما ماؤه قليل، وما ماؤه كثير جعل الله تعالى لها صبرا على العطش حتى قيل: إنه يرتع ظمؤها إلى عشر. وفي الحديث: «لا تسبوا الإبل فإنها من نفس الله تعالى أي مما يوسع به على الناس» . حكاه ابن سيده.
والذي يعرف: لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن.
قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: ليس لشيء من الطحول مثل ما للجمل عند هيجانه، فإنه يسوء خلقه، فيظهر زبده، ويقل رغاؤه فلو حمل عليه ثلاثة أضعاف عادته حمل، ويقل أكله، ويخرج له عند رغائه شقشقة لا تعرف من أي شيء هي من أجزائه، وهو من الأحرار حتى قيل: إنه لا ينزو لا على أمه ولا على أخته حتى قيل:
إن بعض العرب ستر ناقته بثوب ثم أرسل عليها ولدها، فلما عرف ذلك عمد إلى إحليله، فأكله، ثم حقد على صاحبه حتى قتله، وليس له مرارة، ولذلك كثر صبره.
وقيل: يوجد على كبده شيء رقيق يشبه المرارة ينفع الغشاوة في العين كحلا، وفي معدته قوة حتى أنها تهضم الشوك وتستطيبه، ويحل أكله بالنص والاجماع، وأما
(1/347)
تحريم يعقوب عليه الصلاة والسلام أكلها فباجتهاد منه، وذلك أنه كان يسكن البوادي، فاشتكى عرق النسا، فلم يجد ما يلائمه إلا ترك أكل لحومها، فلذلك حرمها. وأما انتقاض الوضوء بأكل لحمها، فاختلف العلماء في ذلك، فهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض، وعليه الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وجماهير التابعين، وبه أخذ مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، وخالف في ذلك أحمد وإسحاق، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر، وابن خزيمة، واختاره البيهقي، وهو مذهب الشافعي القديم.
خواصه: قال ابن زهير وغيره: أكل لحمه يزيد في الباه «1»
وفي الإنعاظ بعد الجماع، وبوله يفيق السكران، ووبره إذا أحرق وذر على دم سائل قطعه، وقراده إذا ربط على كم عاشق يزول عشقه.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

(الأرضة)

(الأرضة)
بفتح الهمزة والراء دويبة صغيرة كنصف العدسة تأكل الخشب والورق، ولما كان فعلها في الأرض أضيف اسمها إليها. قال القزويني: إذا أتى على الأرضة سنة نبت لها جناحان طويلان تطير بهما، ويقال: إنها الدابة التي دلت الجن على موت سليمان عليه الصلاة والسلام، ومن شأنها أنها تبني لنفسها بيتا من عيدان تجمعها مثل بيت العنكبوت مخرطا من أسفله إلى أعلاه، وله في إحدى جهاته باب مربع، ومنه تعلم الأوائل وضع النواويس لموتاهم، والنمل عدوها، وهو أصغر منها، فيأتي من خلفها ويحتملها ويمشي بها إلى حجره لأنه إذا أتاها مستقبلا لا يغلبها.
(الأرنب)
حيوان شبه العناق قصير اليدين طويل الرجلين يطأ الأرض على مؤخر قدميه، وهو اسم يطلق على الذكر والأنثى وله شدة شبق وربما تسفد وهي حبلى، ويكون عاما ذكرا وعاما أنثى. ومن عجائبها أنها تنام وعيناها مفتوحتان، فيأتي الصياد، فيظنها مستيقظة. قيل: من رأى أرنبا عند خروجه من بيته أول ما يخرج أو رآه عند قيامه من نومه، واصطبح به لم تقض له حاجة في ذلك اليوم. ومن عجيب أمره أن تحمل الأنثى منه باثنين وثلاثة وأربعة، ولا تلد إلا تحت الأرض خوفا على أولادها من الإنسان، وتحفر تحت الأرض الحفائر القوية حتى أنها تخرب الجدران، وعند ولادتها ينتحل شعرها وهي تحضن الأولاد إلى عشرين يوما، ومن طبعه أنه أبله، وفيه قوة وشدة وفي سفاده حالة نزوة يصرخ الذكر والأنثى كالسنانير، فإذا وقع منه الإنزال وقع على الأرض قليل الحركة، وعند سفاده تدير له وجهها فإذا ملكها بعد ذلك فإنها تجري به وهو راكب عليها ويجري معها.
فائدة: ذكر ابن الأثير في الكامل أن صديقا له أصطاد أرنبا وله أنثيان وذكر وفرج «2»
. وقيل: التقطت الأرنب تمرة فاختلسها الثعلب، فأكلها، فانطلقا يتخاصمان إلى الضب، فقالت الأرنب: يا أبا حسل، فقال: سميعا دعوت. قالت: أتيناك لنختصم قال: عادلا وحكيما.
قالت: فاخرج إلينا، قال: في بيته يؤتى الحكم. قالت:
إني وجدت تمرة حلوة قال: فكليها. قالت: اختلسها الثعلب. قال: لنفسه بغى الخير. قالت: فلطمته. قال:
بحقك أخذت، قالت: فلطمني. قال: اقتص. قالت:
فاقض بيننا. قال: قد قضيت، فذهبت أقواله أمثالا.
ومن ذلك ما حكي أن عدي بن أرطأة أتى شريحا القاضي في مجلس حكمه، فقال له: أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط. قال: فاسمع مني. قال: للاستماع جلست. قال: إني تزوجت امرأة. قال: بالرفاه والبنين، قال: فشرط أهلها أن لا أخراجها من بينهم، قال: أوف لهم بالشرط. قال: فأنا أريد الخروج. قال: الشرط أملك. قال: أريد أن أذهب. قال: في حفظ الله. قال:
فاقض بيننا. قال: قد فعلت. قال: فعلى من قضيت؟
قال: على ابن أمك. قال: بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالك.
الخواص: قال الجاحظ من علق عليه كعب أرنب لم تضره عين ولا سحر، وأكل دماغه يبرىء من الارتعاش العارض من البرد، وإن شربت المرأة الحامل أنفحة الذكر، ولدت ذكرا، وإن شربت أنفحة الأنثى ولدت أنثى، وإن علقت عليها زبلها لم تحمل، والأرنب البحري من السموم فلا يحل أكله.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

(سقنقور)

(سقنقور)
دابة شكلها كالوزغة إذا أخذت وسلخت وملحت وشربت منها مقدار مثقال زاد في الباه وهو من الأشياء النفيسة عند أهل الهند يقال: إنه يهدى إليهم فيذبحونه بسكين من الذهب، ويحشونه من ملح مصر، فإذا وضعوا منه مثقالا على لحم أو بيض نفع نفعا عظيما.
(الأفعى)
الأنثى من الحيات والذكر أفعوان، وهو يعيش
(1/348)
ألف سنة على ما يقال، ويعرف بالشجاع، والأسود، وهو أشر الحيات وأشرها حيات وأفاعي سجستان، ومن عجيب ما يحكى عنها أنها لدغت إنسانا في رجله فانصدعت جبهته.
وحكي أنها نهشت ناقة وفصيلها يرضع، فمات قبل أمه، وقيل: لما دخل شبيب بن شبة على المنصور قال له: يا شبيب أدخلت سجستان؟ فقال له: نعم. قال:
صف لي أفاعيها. قال: يا أمير المؤمنين، هي دقائق الأعناق، صغار الأذناب، مقلصة الرؤوس، رقش برش، كأنما كسين أعلام الحبرات، كبارهن حتوف، وصغارهن سيوف.
وقيل: إنها تتدفن في التراب أربعة أشهر في البرد «1»
، ثم تخرج، وقد أظلمت عيناها فتمر بشجر الرازيانج وهو الشمر الأخضر، فتحك عينيها به، فيرجع إليها بصرها، فسبحان من ألهمها ذلك.
وقال الزمخشري: إذا عميت الأفعى بعد ألف سنة ألهمها الله تعالى أن تأتي البساتين وتلقي نفسها على هذه الشجرة، وتحك عينيها بها فتبصر. وقيل: إذا قطع ذنبها عاد كما كان «2»
وإذا قلع نابها عاد بعد ثلاثة أيام، وهي أعدى عدو للإنسان، وقال بعضهم: رأيت حية قد ابتلعت كبشا عظيم القرنين، فجعلت تضرب به الحجارة يمينا ويسارا حتى كسرت القرنين، وابتلعته وقرنيه والله تعالى أعلم، وقيل: إذا قطع ذنب الحية تعيش إن سلمت من الذر، وقيل: إن بالحبشة حيات لها أجنحة تطير بها، وقيل: إن جلدها ينسلخ عنها في كل سنة مرة وقيل: إن الجلد لا ينسلخ، وإنما الذي ينسلخ قشر فوق الجلد، وغلاف يخلق لها كل عام، وهي تبيض على عدد أضلاعها. أي ثلاثين بيضة، فيجتمع عليها النمل، فيفسدها بقدرة الله تعالى إلا نادرا. ومن عجيب أمرها أنها لا ترد الماء ولا ترده ولكنها إذا شمت رائحة الخمر، فلا تكاد تصبر عنه مع أنه سبب هلاكها لأنها إذا شربت سكرت، فتعرضت للقتل، والذكر لا يقيم في الموضع، وإنما تقيم الأنثى لأجل فراخها حتى تكتسب قوة، فإذا قويت أخذتهم وانسابت، فأي حجر وجدته دخلت فيه، وأخرجت صاحبه منه، وعينها لا تدور وإذا قلعت عادت.
ومن عجيب أمرها أنها تهرب من الرجل العريان وتفرح بالنار وتقرب منها، وتحب اللبن حبا شديدا، وإذا دخلت بصدرها في حجر لا يستطيع أقوى الناس على إخراجها منه، ولو قطعت قطعا وليس لها قوائم ولا أظفار وإنما تقوى بظهرها لكثرة أضلاعها.
وحكى عمر بن يحيى العلوي قال: كنا في طريق مكة، فأصاب رجلا منا استسقاء، فاتفق العرب أن سرقوا منا، فطار جمال على أحدها ذلك الرجل قال: ثم بعد أيام جمعتنا المقادير، فوجدته قد برىء، فسألناه عن حاله، فقال: إن العرب لما أخذوني جعلوني في أواخر بيوتهم، فكنت في حالة أتمنى فيها الموت، وبينما أنا كذلك إذ اتوا يوما بأفاعي اصطادوها وقطعوا رؤوسها وأذنابها وشووها بعد ذلك، فقلت: في نفسي: هؤلاء اعتادوها، فلا تضرهم، فلعلي إن أكلت منها مت، فاسترحت، فاستطعمتهم، فأطعموني واحدة، فلما استقرت في بطني أخذني النوم، فنمت نوما ثقيلا، ثم استيقظت، وقد عرقت عرقا شديدا، واندفعت طبيعتي نحو مائة مرة، فلما أصبحت وجدت بطني قد ضمر، وقد انقطع الألم، فطلبت منهم مأكولا، فأكلت، وأقمت عندهم أياما، فلما نشطت، ووثقت من نفسي بالحركة أخذت في الطريق مع بعضهم وأتيت الكوفة.
فائدة: قيل إن الريحان الفارسي لم يكن قبل كسرى، وإنما وجد في زمانه، وسببه أن كسرى كان ذات يوم جالسا في بعض متفرجاته إذا جاءته حية، فانسابت بين يديه، وتمرغت وصارت تتقلب مثل الذي يشتكي، فأراد بعض الجند قتلها، فمنعهم الملك، ثم قال لهم: انظروا أمرها، فلما سمعت ذلك انسبات بين يديه، فأمرهم أن يتبعوها إلى المكان الذي تريده، قال: فجاءت إلى بئر وصارت تنظر فيه قال: فنظروا فإذا فيه حية عظيمة وعلى ظهرها عقرب أسود فنخسها بعضهم برمح، فقتلها، وتركوها ورجعوا، فأخبروا الملك بذلك، فلما كان الغد جاءت الحية للملك وفي فمها بزر فنثرته بين يدي الملك، وذهبت، فقال الملك: إنها أرادت مكافأتنا اجعلوه في الأرض لننظر ما يكون من أمره قال: ففعلوا ذلك، فطلع منه الريحان قال فلما انتهى أمره أتوا به إلى الملك قال وكان به زكام، فشمه فبرىء.
لطيفة: من غريب ما اتفق لعماد الدولة أنه لما ملك شيراز اجتمع عليه أصحابه وطلبوا منه مالا، ولم يكن


(1/349)
عندهم ما يرضيهم به، فاغتم لذلك ونام مستلقيا على قفاه مفكرا في ذلك، وإذا بحية عظيمة خرجت من سقف ذلك المجلس ودخلت في سقف آخر قال: فطلب سلما وصعد لينظر المكان الذي خرجت منه، فلما رآه وجد كوة فنظر في داخلها، فإذا هي مطمورة، فدخلها، فوجد فيها صندوقا فيه خمسمائة ألف دينار، فأمر بإخراجه وإنفاقه على عسكره.
ومن ألطف ما اتفق له أيضا:
أنه كان بتلك البلد خياط أطروش، وكان الملك الذي قبله قد أودع عنده وديعة مال قال، فطلبه عماد الدولة ليخيط له على عادته لأنه هو الذي يخيط للملوك قال:
فتوهم الاطروش أنه غمز عليه بسبب الوديعة فلما حضر بين يدي عماد الدولة قال له: إن فلانا الملك لم يدع عندي سوى اثني عشر صندوقا، ولم أدر ما فيها، فأمر بإحضارها، فأحضرها فأخذها عماد الدولة، ووسع بها على جنده، وتعجب من هاتين القضيتين فكانت هذه الأسباب من دلائل السعادة له. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الحيات بعد أن تنذر ثلاث مرات، وقيل: ثلاث أيام، وأما سكان البيوت، فالإنذار لها متعين. وفي الحديث: «من قتل حية فكأنما قتل مشركا ومن لبس خفا فلينفضه، ومن آوى إلى فراشه فلينظفه» .
الخواص: يقال أن دمها يجلو البصر وقلبها إذا علق على إنسان لا يؤثر فيه السحر وضرسها إذا علق على من به وجع الضرس سكن. الأيمن للأيمن والأيسر للأيسر، ولحمها قال بقراط الحكيم: من أكله أمن من الأمراض الصعبة.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

(الأنيس)

(الأنيس)
وتسميه الرماة الأنيسة لأنه من طيور الواجب عندهم وهو طير له لون حسن غذاؤه الفاكهة ومأواه الأنهار والبساتين والغياض وله صوت حسن كالقمري.
(الأوز)
طير السباحة وفراخة تخرج من البيضة تسبح.
الخواص: في جوفه حصاة تنفع المبطون ودهنه ينفع من ذات الجنب وداء الثعلب إذا طلي به، ولسانه ينفع لقطار البول وغذاؤه جيد إلا أنه بطيء الهضم.
(الإيل)
بتشديد الياء المسكورة ذكر الوعل وله أسماء باختلاف اللغات، وهو يشبه بقر الوحش وإذا خاف من الصياد رمى بنفسه من رأس الجبل ولا يتضرر بذلك، وإذا لسعته حية ذهب إلى البحر فأكل السرطان فيشفى.
خواصه: إن السمك يحب رؤيته وهو يحب ذلك، ولذلك أكثر ما يكون بقرب البحر والصيادون يعرفون ذلك، فيلبسون جلده ليراهم السمك، فيأتي لهم وهو مولع بأكل الحيات وربما لسعته، فتسيل دموعه تحت محاجر عينيه حتى تصير نفرتين من كثرة ذلك، ثم تجمد تلك الدموع فتصير كالشمع، فتؤخذ وتجعل دواء للسم، وهو الذي يسمى بالبنزهير الحيواني، وأجوده الأصفر، وأكثر ما يكون ببلاد الهند والسند وفارس وإذا وضع على لسعة الحيات أبرأها وإن وضعه الملسوع في فيه نفعه، وهذا الحيوان لا تنبت قرناه إلا بعد سنتين وينبتان في أول الأمر مستقيمين، ثم بعد ذلك يحصل فيهما التشعب ولا يزال يزيد إلى ست سنين، فحينئذ يصيران كنخلتين، ثم بعد ذلك يلقيهما في كل سنة مرة، ثم ينبتان. قال أرسطو:
وهذا النوع يصاد بالصفير والأصوات المطربة، فإنه يحب الطرب والصيادون يشغلونه بذلك ويأتونه من ورائه، فإذا رأوه قد استرخت أذناه وثبوا عليه، وقرنه مصمت وإحليله من عصب لا عظم فيه ولا لحم وهو من الحيوان الذي يزيد في السمن، فإذا حصل له ذلك فر من مكانه خوفا من الصيادين وحكمه حل أكله.
الخواص: إذا بخر بقرنه البيت طرد الهوام التي فيه، وإذا أحرق واستاك به الذي به صفرة الاسنان زال ذلك عنه، ومن علق عليه شيء منه ذهب نومه، ومن خواصه:
أن دمه يفتت الحصاة التي بالمثانة شربا، والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(حرف الباء الموحدة) :
(باز)
كنيته أبو الأشعث وهو من أشد الحيوان تكبرا، وأضيقها خلقا، قال القزويني: إنها لا تكون إلا أنثى وذكرها من غيرها إما من جنس الحدأة أو الشواهين، ولأجل ذلك تختلف ألوانها وهو أصناف منها البازي، والباشق، والشاهين، والبيدق، والبقر، والبازي آخرها مزاجا لأنه لا يصبر على العطش، فلذلك لا يفارق الماء والأشجار المتسعة والظل والظليل، وهو خفيف الجناح سريع الطيران تكثر أمراضه من كثرة طيرانه، لأنه كلما طار انحط لحمه وهزل، وأحسن أنواعه ما قل ريشه، واحمرت عيناه مع حدة فيهما قال الشاعر:
لو استضاء المرء في إدلاجه ... بعينه كفته عن سراجه «1»
(1/350)
ودونه الأزرق الأحمر العينين والأصفر دونهما. ومن صفاته المحمودة: أن يكون طويل العنق، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، شديد الانحطاط من الجو، غليظ الذراعين مع قصر فيهما.
لطيفة: من عجيب أمره أن الرشيد خرج ذات يوم للصيد، فأرسل بازا، فغاب قليلا ثم أتي وفي فمه سمكة، فأحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك، فقال مقاتل يا أمير المؤمنين: روينا عن جدك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن الجو معمور بأمم مختلفة الخلق، وفيه دواب تبيض وتفرخ على هيئة السمك لها أجنحة ليست بذوات ريش، فأجاز مقاتلا على ذلك وأكرمه.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

(باله)

(باله)
«1»
سمكة عظيمة. قال القزويني: يقال إن طولها يبلغ خمسمائة ذراع، وقال غيره: خمسون، ويقال لها:
العنبر وهي تظهر في بعض الأحايين لأصحاب المراكب، فإذا رأوها طبلوا بالطبول حتى أنها تنفر لأن لها جناحين كالقناطر إذا نشرتها أغرقتهم، فإذا بغت على حيوان البحر وزاد شرها أرسل الله عليها سمكة نحو الذراع تلتصق بأذنها ولا خلاص لها منها، فتنزل إلى قعر البحر وتضرب رأسها به حتى تموت ثم تطفو بعد ذلك، فيقذفها الريح إلى الساحل، فيأخذها أهله ويشقون جوفها ويستخرجون منها العنبر.
(ببغاء)
هي أصناف كثيرة منها الأخضر والرمادي والأصفر والأبيض يتخذها الملوك والرؤساء لحسن لونها وصوتها وفصاحتها.
حكي: أنه أهدي لمعز الدولة درة بيضاء سوداء الرجلين والمنقار ويقال إن نوعا منها يقرأ القرآن.
الخواص: من أكل لسانها تفصح وإذا جفف دمها وجعل بين الصديقين حصلت بينهما الخصومة وزبلها يخلط بماء الحصرم ويكتحل به ينفع من الرمد وظلمة البصر.
(بجع)
: طائر أبيض اللون يميل إلى الصفرة طويل المنقار كبير البطن أكثر أكله السمك.
(بج) :
طائر لطيف يأوي أطراف الماء وهو خلقة شريفة لم يوجد غالبا إلا اثنين فقط.
(براق) :
هو الدابة التي ركبها النبي صلى الله عليه وسلم وهو دون البغل وفوق الحمار أبيض اللون.
(برذون) :
نوع من الخيل دون الفرس العربي وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ركبه وكذا عمر رضي الله تعالى عنه فلما ركبه عمر جعل يتخلخل به فنزل عنه وضرب وجهه وقال: لا أعلم والله علمك هذه الحيلاء ولم يركب برذونا قبله ولا بعده وكنيته أبو الأخطل لطول ذنبه وأنشد السراج الوراق في ذم البراذين «2»
يقول:
لصاحب الأحباس برذونة ... بعيدة العهد عن القرط
إذا رأت خيلا على مربط ... تقول سبحانك يا معطي
تمشي إلى خلف إذا ما مشت ... كأنما تكتب بالقبطي
الخواص: إذا شربت امرأة دمه لم تحبل أبدا وزبله يخرج المشيمة والجنين الميت وإذا جفف وذر منه على من به الرعاف انقطع رعافه وكذا الجرح.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية 


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad