سلسلة قراءات فى تاريخ الاسلام والمسلمين- من أهداف دراسة السيرة النبوية
من أهداف دراسة السيرة النبوية:
الوقوف على التطبيق العمليّ للرَّسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لأحكام الإسلام.
معرفة شمائل الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليتمّ الاقتداء به.
كان موقف قريش بعد فشل خطتها في التخلص من الرسول –صلى الله عليه وسلم- يتمثل في :
إلقاء القبْض على عليِّ بن أبي طالب للتّحقيق معه، وسحْبه إلى الكعبة، وضرْبه لأخذ المعلومات منه.
جاءت مجموعة منهم إلى بيْت الصِّدِّيق للبحث عنه هناك، أو لأخْذ الصّديّق ليفعلوا معه ما فعلوا مع عليٍّ، فخرجت إليهم أسماء فسألوها عن والدها، فقالت بأنها لا تدري، فغضب أبو جهل فلطَمها لطمةً طرح منها قرطها.
وضعوا جميع الطّرق الخارجة مِن مكة تحت المراقبة.
قرّروا منح جائزة مقدارها مائتا ناقة مِن الإبل لِمَن يعثر عليهما حيَََََََََّيْنِ أو ميِّتيْنِ.
استأجروا قُصَّاص الآثار ليتّبعوا آثارهما حيث ما حلاَّ.
وصل المطارِدون إلى فم الغار. فقد روى البخاري عن أبي بكر قال: ((كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في الغار، فرفعْت رأسي، فإذا بأقدام القوْم، فقلت يا نبيّ الله، لو أنّ بعضهم طأطأ رأسَه رآنَا! قال: ما ظنّك يا أبا بكر باثنيْن، الله ثالثهما)).
وقد روي: ((أنّ الله أمَر شجرة فنبتَت في وجهْ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فسترتْهُ، وأمَر حمامتيْن فوقعتا في فم الغار، وأنّ العنكبوت نسجَت على بابه)). وقد ضعَّف بعضهم هذه الروايات مِن حيث الإسناد. والله تبارك وتعالى قادر على كل شيء.
الخروج مِن الغار:
وحين خمدَتْ نار الطّلب، وتوقّفت أعمال دوريّات التّفتيش، وهدأت قريش بعد استمرار المطاردة ثلاثة أيام بدون جدوى، تهيّأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه للخروج. فلمّا كانت ليلة الاثنين غرّة ربيع الأوّل السنة الأولى مِن الهجرة، الموافق 16سبتمبر سنة (622م)، ارتحلا، وارتحل معهما عامر بن فهيرة لخدمتهما، وأخذ بهما الدّليل على طريق الساحل.
وروى البخاريُّ عن الصّدّيق -رضي الله عنه- قال: "أسْرَيْنا ليلتنا، ومِن الغد حتى قام قائم الظّهيرة، وخلاَ الطّريق لا يمرّ فيه أحَد، فرُفعت لنا صخرة طويلة لها ظلّ لمْ تأت عليها الشمس..." الحديث.
فنزلوا تحت ظلِّها بعد ما سوَّى الصِّدّيق لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكاناً وأعدّ له فراشاً، ثم بدأ الصِّدّيق يستكشف المكان، ويبحث عمّن حوله، فوجد راعياً عنده غنَم، فحلب له لبناً قدِم به على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فشرب منه -صلى الله عليه وسلم-، ثم قال للصدّيق: ((ألَمْ يأْنِ الرحيل؟)) قلت: بلى. قال: فارتحلْنا.
أحداث في الطريق، والوصول إلى المدينة:
كان أبو بكر رديف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإذا سئل عن: مَن الذي أمامك؟ قال: "هذا يهديني الطريق".
حاول سراقة بن مالك الظّفر بالمكافأة، فلاحظ وهو جالس في قومه مرور الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحبه، فخرج مسرعاً في أثرهما، وكلّما قاربهما ساخت أقدام فرَسه في التّراب. يقول سراقة: "فناديْت بالأمان... فوقفوا... فقلت له: إنّ قومك قد جعلوا فيك الدِّية. وأخبرْتهم أخبار ما يريد الناس منهم، وعرضت عليهم الزّاد... فقالا: اخْف عنّا! فسألتُه أن يكتب لي كتاباً، فأمَر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة مِن أدم، ثم مضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ورجع سراقة، فوجد الناس في الطّلب، فجعل يقول: قد استبرأْت لكم الخبَر؛ قد كُفيتم ما ها هنا، فكان أوّل النهار جاهداً عليهما، وآخره حارساً لهما.
ومرّ -صلى الله عليه وسلم-على خيمة أمّ معبد الخزاعيّة، وكانت بفناء خيمتها شاة عجفاء أقعدها الهزال عن الخروج إلى المرعى، فمسح -صلى الله عليه وسلم- على ضرْعها فتفاجت عليه ودرَّت. فدعا بقدح يكفي الرّهط فحلب فيه حتى علَتْه الرّغوة، فشرب الجميع. ثم حلَبها مرّة أخرى وملأه، ثم تركه عندها.
وخرج الرّكب الميمون، وجاء زوجها فوجد اللّبن عندها، فأخبرته الخبَر، وذكرت له أوصاف الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقال لها: "والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا مِن أمْره ما ذكروا، لقد هممْت أنْ أصحبه، ولأفعلنّ إن وجدْت إلى ذلك سبيلاً."
وفي الطريق لقيَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أبو بَرْزةَ الأَسْلَميّ، وكان في طلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليفوز بالمكافأة، ثم أسلم.
وفي الطريق أيضاً لقيَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- الزبيرُ، وهو في ركب مِن المسلمين كانوا تُجاراً قافلين مِن الشام، فكسا الزبيرُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر ثياباً بيضاءَ.
في يوم الاثنين، الثامن مِن ربيع الأوّل سنة (14 مِن النبوّة الموافق 23سبتمبر سنة (622م)، نزل -صلى الله عليه وسلم- بقباء. وقد كان المسلمون سمعوا بمَخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكانوا يفِدون كلّ يوم إلى الحرّة فينتظرونه، حتى يردَّهم حَرّ الظهيرة.
وكان يومُ مقْدمه يوماً مشهوداً لمْ تشهد المدينةُ مثْلهُ في تاريخها. ونزل -صلى الله عليه وسلم- على كلثوم بن الهدم، وقيل: سعد بن خيثمة. ولحِق به عليّ بن أبي طالب بَعْد ما أدَّى ودائع الرسول -صلى الله عليه وسلم-. ومكث -صلى الله عليه وسلم- بقباء ثلاثةَ أيامٍ، وأسَّسَ مسجدها، ثم انتقل إلى المدينة يوم الجمعة واسْتُقْبِلَ بالتّكبيرِ والتّحميدِ والتّهليلِ، وبناتُ الأنصارِ يَقُلْنَ فرحاً وسروراً بمقْدمه -صلى الله عليه وسلم-:
| طلعَ البدرُ علينَا | مِنْ ثَنِيَّاتِ الوداعْ |
| وجبَ الشكرُ علينا | ما دعَا للهِ داعْ |
| أيها المبعوثُ فينا | جئتَ بالأمْرِ المطاعْ |
وكانت هذه اللحظات أشرف لحظات في تاريخ المدينة، وبها بدأت مسيرة الدولة الإسلامية بعد إيجاد المنطلق والقَاعِدَة التي طالما بحث عنها -صلى الله عليه وسلم-.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية
0 التعليقات:
إرسال تعليق