الفصل الثالث من هذا الباب في المكافأة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تقدروا فادعوا له» . ولما قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام يخدمهم بنفسه، فقيل له يا رسول الله: لو تركتنا كفيناك، فقال: كانوا لأصحابي مكرمين «2» . وقيل: أتى رجل من الأنصار إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:
أذكر صنيعي إذ فاجأك ذو سفه ... يوم السقيفة والصديق مشغول
فقال عمر بأعلى صوته: ادن مني، فدنا منه، فأخذ بذراعه حتى استشرفه الناس «3» وقال: ألا إن هذا رد عني سفيها من قومه يوم السقيفة ثم حمله على نجيب وزاد في عطائه، وولاه صدقة قومه وقرأ: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان 60
«4» ، وقال رجل لسعيد بن العاص، وهو أمير الكوفة: لي يد عندك بيضاء. قال: وما هي؟ قال:
كبت بك فرسك «5» ، فتقدمت إليك قبل غلمانك، فأخذت بعضدك وأركبتك، وأسقيتك ماء، قال: فأين كنت إلى الآن؟ قال: حجبت عن الوصول إليك، قال: قد أمرنا لك بمائتي ألف درهم، وبما يملكه الحاجب إذ حجبك عنا.
وقال قطري بن الفجاءة الخارجي: وكان قد أسره الحجاج ثم من عليه، فأطلقه، فقيل له: عاود قتال عدو الله، فقال: هيهات شد يدا مطلقها وأرق رقبة معتقها، ثم قال:
أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيد تقر بأنها مولاته
ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصف واحتجت له فعلاته
أأقول جار علي؟ لا إني إذا ... لأحق من جارت عليه ولاته
وتحدث الأقوام أن صنائعا ... غرست لدي فحنظلت نخلاته «6»
واجتاز الشافعي رحمه الله تعالى بمصر في سوق الحدادين، فسقط سوطه، فقام إنسان، فأخذه ومسحه وناوله إياه، فقال لغلامه: كم معك؟ قال: عشرة دنانير، قال: ادفعها إليه واعتذر له.
واستنشد عبد الملك عامر الشعبي، فأنشده لغير ما شاعر حتى أنشد لحسان:
من سره شرف الحياة فلم يزل ... في عصبة من صالحي الأنصار
البائعين نفوسهم لنبيهم ... بالمشرفي وبالقنا الخطار «7»
الناظرين بأعين محمرة ... كالجمر غير كليلة الأبصار «8»
فقام أنصاري، فقال: يا أمير المؤمنين: استوجب عامر الصلة على ستون من الإبل كما أعطينا حسان يوم قالها، فقال عبد الملك: وله عندي ستون ألفا، وستون من الإبل.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية
0 التعليقات:
إرسال تعليق