ولما
قدم عيينة بن حصن على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي
الله عنه، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا. فقال عيينة
لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير»
فاستأذن لي عليه، فاستأذن، فأذن له عمر فلما دخل قال: هيه يا ابن الخطاب فو الله ما تعطينا الجزل «8» ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين 199
«9» وإن هذا من الجاهلين فو الله ما جاوزها عمر رضي الله عنه حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله تعالى.
وحكي أن رجلا زور ورقة عن خط الفضل بن الربيع، تتضمن أنه أطلق له ألف دينار ثم جاء بها إلى وكيل الفضل، فلما وقف الوكيل عليها لم يشك أنها خط الفضل فشرع في أن يزن له الألف دينار، وإذا بالفضل قد حضر ليتحدث مع وكيله في تلك الساعة في أمر مهم فلما جلس أخبره الوكيل بأمر الرجل وأوقفه على الورقة فنظر الفضل
فاستأذن لي عليه، فاستأذن، فأذن له عمر فلما دخل قال: هيه يا ابن الخطاب فو الله ما تعطينا الجزل «8» ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين 199
«9» وإن هذا من الجاهلين فو الله ما جاوزها عمر رضي الله عنه حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله تعالى.
وحكي أن رجلا زور ورقة عن خط الفضل بن الربيع، تتضمن أنه أطلق له ألف دينار ثم جاء بها إلى وكيل الفضل، فلما وقف الوكيل عليها لم يشك أنها خط الفضل فشرع في أن يزن له الألف دينار، وإذا بالفضل قد حضر ليتحدث مع وكيله في تلك الساعة في أمر مهم فلما جلس أخبره الوكيل بأمر الرجل وأوقفه على الورقة فنظر الفضل
(1/204)
فيها ثم
نظر في وجه الرجل فرآه كاد يموت من الوجل «1» والخجل فأطرق الفضل «2» ، بوجهه ثم
قال للوكيل:
أتدري لم أتيتك في هذا الوقت؟ قال: لا، قال: جئت لأستنهضك حتى تعجل لهذا الرجل إعطاء المبلغ الذي في هذه الورقة.
فأسرع عند ذلك الوكيل في وزن المال وناوله الرجل فقبضه وصار متحيرا في أمره فالتفت إليه الفضل وقال له:
طب نفسا وامض إلى سبيلك آمنا على نفسك فقبل الرجل يده وقال له سترتني سترك الله في الدنيا والآخرة، ثم أخذ المال ومضى.
فيجب على الإنسان أن يتأسى بهذه الأخلاق الجميلة والأفعال الجليلة ويقتفي سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، فقد كان أكثر الناس حلما وأحسنهم خلقا وأكرمهم خلقا وأكثرهم تجاوزا وصفحا وأبرهم للمعتر عليه نجحا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
وأما ما جاء في العتاب فقد قيل العتاب خير من الحقد ولا يكون العتاب إلا على زلة. وقد مدحه قوم فقالوا: العتاب حدائق المتحابين ودليل على بقاء المودة وقد قال أبو الحسن بن منقذ شعرا:
أسطو عليه وقلبي لو تمكن من ... يدي غلهما غيظا إلى عنقي «3»
وأستعير له من سطوتي حنقا ... وأين ذل الهوى من عزة الحنق «4»
وذمه بعضهم، قال إياس بن معاوية: خرجت في سفر ومعي رجل من الأعراب فلما كان في بعض المناهل «5» لقيه ابن عم فتعانقا وتعاتبا وإلى جانبهما شيخ من الحي فقال لهما: أنعما عيشا إن المعاتبة تبعث التجني والتجني يبعث المخاصمة والمخاصمة تبعث العداوة ولا خير في شيء ثمرته العداوة.
قال الشاعر:
فدع ذكر العتاب فرب شر ... طويل هاج أوله العتاب
وقيل: العتاب من حركات الشوق، وإنما يكون هذا بين المتحابين. قال الشاعر:
علامة ما بين المحبين في الهوى ... عتابهم في كل حق وباطل
وكتب بعضهم يعاتب صديقه على تغير حاله معه يقول:
عرضنا أنفسا عزت علينا ... عليكم فاستخف بها الهوان
ولو أنا رفعناها لعزت ... ولكن كل معروض مهان
وقال آخر يعاتب صديقه:
وكنت إذا ما جئت أدنيت مجلسي ... ووجهك من تلك البشاشة يقطر
فمن لي بالعين التي كنت مرة ... إلي بها في سالف الدهر تنظر
أتدري لم أتيتك في هذا الوقت؟ قال: لا، قال: جئت لأستنهضك حتى تعجل لهذا الرجل إعطاء المبلغ الذي في هذه الورقة.
فأسرع عند ذلك الوكيل في وزن المال وناوله الرجل فقبضه وصار متحيرا في أمره فالتفت إليه الفضل وقال له:
طب نفسا وامض إلى سبيلك آمنا على نفسك فقبل الرجل يده وقال له سترتني سترك الله في الدنيا والآخرة، ثم أخذ المال ومضى.
فيجب على الإنسان أن يتأسى بهذه الأخلاق الجميلة والأفعال الجليلة ويقتفي سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، فقد كان أكثر الناس حلما وأحسنهم خلقا وأكرمهم خلقا وأكثرهم تجاوزا وصفحا وأبرهم للمعتر عليه نجحا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
وأما ما جاء في العتاب فقد قيل العتاب خير من الحقد ولا يكون العتاب إلا على زلة. وقد مدحه قوم فقالوا: العتاب حدائق المتحابين ودليل على بقاء المودة وقد قال أبو الحسن بن منقذ شعرا:
أسطو عليه وقلبي لو تمكن من ... يدي غلهما غيظا إلى عنقي «3»
وأستعير له من سطوتي حنقا ... وأين ذل الهوى من عزة الحنق «4»
وذمه بعضهم، قال إياس بن معاوية: خرجت في سفر ومعي رجل من الأعراب فلما كان في بعض المناهل «5» لقيه ابن عم فتعانقا وتعاتبا وإلى جانبهما شيخ من الحي فقال لهما: أنعما عيشا إن المعاتبة تبعث التجني والتجني يبعث المخاصمة والمخاصمة تبعث العداوة ولا خير في شيء ثمرته العداوة.
قال الشاعر:
فدع ذكر العتاب فرب شر ... طويل هاج أوله العتاب
وقيل: العتاب من حركات الشوق، وإنما يكون هذا بين المتحابين. قال الشاعر:
علامة ما بين المحبين في الهوى ... عتابهم في كل حق وباطل
وكتب بعضهم يعاتب صديقه على تغير حاله معه يقول:
عرضنا أنفسا عزت علينا ... عليكم فاستخف بها الهوان
ولو أنا رفعناها لعزت ... ولكن كل معروض مهان
وقال آخر يعاتب صديقه:
وكنت إذا ما جئت أدنيت مجلسي ... ووجهك من تلك البشاشة يقطر
فمن لي بالعين التي كنت مرة ... إلي بها في سالف الدهر تنظر
|
اسم الكتاب:
|
المستطرف في كل فن مستظرف
|
|
المؤلف:
|
شهاب الدين محمد بن أحمد الأبشيهي
أبو الفتح
|
|
الفن:
|
الأدب والبلاغة
|
|
عدد المجلدات:
|
1
|
|
للاطلاع على الكتاب إليكم الرابط:
|
0 التعليقات:
إرسال تعليق