الباب الثالث والاربعون في الهجاء ومقدماته
القصد من الهجاء الوقوف على ملحه وما فيه من ألفاظ فصيحة ومعان بديعة، لا التشفي بالأعراض والوقوع فيها.
وليس الهجاء دليلا على إساءة المهجو ولا صدق الشاعر فيما رماه به، فما كل مذموم بذميم، وقد يهجى الإنسان بهتانا وظلما أو عبثا أو ارهابا.
قال المتوكل لأبي العيناء: كم تمدح الناس وتذمهم، قال: ما أحسنوا وأساءوا. وقد رضي الله تعالى على عبد من عبيده فمدحه، فقال: نعم العبد إنه أواب
«3» ، وغضب على آخر، فقال: مناع للخير معتد أثيم 12 عتل بعد ذلك زنيم 13
«4» قيل الزنيم: الملصق بالقوم وليس منهم.
وقال دعبل في المأمون بعد البيعة له وقتل الأمين.
إني من القوم الذين همو همو ... قتلوا أخاك وشرفوك بمقعد
شادوا لذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد «5»
فقال المأمون: ما أبهته «6» ليت شعري متى كنت خاملا، وفي حجر الخلافة ربيت وبدرهما غذيت.
ولما قتل جعفر بن يحيى بكى عليه أبو نواس، فقيل له:
أتبكي على جعفر وأنت هجوته؟ فقال: كان ذلك لركوب الهوى، وقد بلغه والله أني قلت:
ولست وإن أطنبت «7» في وصف جعفر ... بأول إنسان خري في ثيابه
فكتب: يدفع إليه عشرة آلاف درهم يغسل بها ثيابه.
ومن العبث بالهجو ما روي أن الحطيئة هم بهجاء، فلم يجد من يستحقه فقال:
أبت شفتاي اليوم إلا تكلما ... بسوء فلا أدري لمن أنا قائله
أرى بي وجها قبح الله خلقه ... فقبح من وجه وقبح حامله
وعبث بأمه فقال:
تنحي فاجلسي عنا بعيدا ... أراح الله منك العالمينا
أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا
حياتك ما علمت حياة سوء ... وموتك قد يسر الصالحينا
وقال رجل: ما أبالي أهجيت أم مدحت، فقال له الأحنف: أرحت نفسك من تعب الكرام. وأنا أقول: إنما يخشى من الهجو من يخاف على عرضه وأما من لا يخاف
(1/251)
على عرضه فقد يستوي عنده المدح والذم وبئس الرجل ذاك. وكان الرجل من نمير إذا قيل له: ممن الرجل؟
يقول: من نمير وأمال بها عنقه، فلما هجاهم جرير بقوله:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
صار إذا قيل لأحدهم: ممن الرجل: يقول من بني عامر، وما لقيت قبيلة من العرب بهجو ما لقيت نمير بهجو جرير.
وهجا ابن سام رجلا فقال:
يا طلوع الرقيب من غير إلف ... يا غريما أتى على ميعاد
يا ركودا في وقت غيم وصيف ... يا وجوه التجار يوم كساد
وقصد ابن عيينة قبيصة المهلبي، واستماحه «1» . فلم يسمح له بشيء «2» ، فانصرف مغضبا، فوجه إليه داود بن يزيد بن حاتم، فترضاه، وأحسن إليه، فقال في ذلك:
داود محمود وأنت مذمم ... عجبا لذاك وأنتما من عود
ولرب عود قد يشق لمسجد ... نصفا وباقيه لحش «3» يهودي
فالحش أنت له وذاك بمسجد ... كم بين موضع مسلح «4» وسجود
هذا جزاؤك يا قبيص لأنه ... جادت يداه وأنت قبل حديد