ولما نصب معاوية رضي الله تعالى عنه ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء وجعل الناس يسلمون على معاوية، ثم يسلمون على يزيد، حتى جاء رجل، ففعل ذلك، ثم رجع إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين اعلم إنك لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها، والأحنف ساكت، فقال معاوية: مالك لا تقول يا أبا بحر؟ فقال:
أخاف الله تعالى إن كذبت وأخافكم إن صدقت. فقال جزاك الله خيرا عما تقول، ثم أمر له بألوف، فلما خرج الأحنف لقيه ذلك الرجل بالباب، فقال له: يا أبا بحر إني لأعلم أن هذا من شرار خلق الله تعالى، ولكنهم استوثقوا من الأموال بالأبواب، والأقفال، فلسنا نطمع في إخراجها إلا بما سمعت، فقال له الأحنف: يا هذا أمسك، فإن ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجيها.
وقيل: إن الكذب يحمد إذا وصل بين المتقاطعين أو أصلح بين الزوجين، ويذم الصدق إذا كان غيبة. وقد رفع الحرج عن الكاذب في الحرب، وعن المصلح بين المرء وزوجه. وكان المهلب في حرب الخوارج يكذب لأصحابه يقوي بذلك جأشهم، فكانوا إذا رأوه مقبلا إليهم، قالوا: جاءنا بكذب.
وقال يحيى بن خالد: رأينا شارب خمر نزع ولصا أقلع وصاحب فواحش رجع، ولم نر كذابا صار صادقا. وكان عمر بن معد يكرب مشهورا بالكذب. وقيل لخلف الأحمر وكان شديد التعصب لليمن: أكان ابن معد يكرب يكذب؟ فقال: كان يكذب في المقال، ويصدق في الفعال. قيل: إن بلالا لم يكذب مذ أسلم رضي الله تعالى عنه، والحمد لله وحده.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية
0 التعليقات:
إرسال تعليق