الأربعاء، 5 يونيو 2013

ومن حجة من كره الغناء

ومن حجة من كره الغناء أنه قال: أنه ينفر القلوب، ويستفز العقول، ويبعث على اللهو، ويحض على الطرب، وهذا باطل في أصله وتأولوا في ذلك قوله تعالى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا
«1» . وأخطأ من أول هذا التأويل إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السير، والأحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن، ويقولون: إنها أفضل منه، وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزوا.
وقال رجل للحسن البصري: ما تقول في الغناء يا أبا سعيد؟ فقال: نعم العون على طاعة الله تعالى يصل الرجل به رحمه ويواسي به صديقه. قال: ليس عن هذا أسألك.
قال: وعم سألتني؟ قال: أن يغني الرجل. قال: وكيف يغني؟ فجعل الرجل يلوي شدقيه ويفتح منخريه، فقال الحسن: والله يا ابن أخي ما ظننت أن عاقلا يفعل بنفسه هذا أبدا، فلم ينكر الحسن عليه إلا تشويه وجهه وتعويج فمه.
وسمع ابن المبارك سكران يغني هذا البيت:
أذلني الهوى فأنا الذليل ... وليس إلى الذي أهوى سبيل
قال: فأخرج دواة وقرطاسا، وكتب البيت، فقيل له:
أتكتب بيت شعر سمعته من رجل سكران، فقال: أما سمعتم المثل: رب جوهرة في مزبلة.
وكان لأبي حنيفة جار من الكيالين مغرم بالشراب، وكان يغني على شرابه بقول العرجي:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
قال: فأخذه العسس ليلة وحبسه، ففقد أبو حنيفة صوته، واستوحش له، فقال لأهله: ما فعل جارنا الكيال؟
قالوا: أخذه العسس، وهو في الحبس، فلما أصبح أبو حنيفة توجه إلى عيسى بن موسى، فاستأذن عليه، فأسرع إذنه، وكان أبو حنيفة قليلا ما يأتي أبواب الملوك، فأقبل عليه عيسى بن موسى، وسأله عما جاء بسببه، فقال:
أصلح الله الأمير: إن لي جارا من الكيالين أخذه عسس الأمير ليلة كذا، فوقع في حبسه، فأمر عيسى بن موسى بإطلاق كل من في الحبس إكراما لأبي حنيفة، فأقبل الكيال على أبي حنيفة يتشكر له، فلما رآه أبو حنيفة قال له: هل أضعناك يا فتى؟ يعرض له بشعره الذي ينشده، قال: لا والله ولكنك بررت وحفظت.
وكان عروة بن أدية ثقة في الحديث روى عنه مالك بن أنس، وكان شاعرا مجيدا لبقا غزلا، وكان يصوغ ألحان الغناء على شعره وينحلها للمغنين. قيل: إنه وقفت عليه إمرأة يوما وحوله التلاميذ، فقالت له: أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح، وأنت تقول:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي «2» ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد
هبي بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد
وكان عبد الملك الملقب بالقس عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح في العبادة. قيل: إنه مر يوما بسلامة وهي تغني، فأقام يسمع غناءها فرآه مولاها، فقال له: هل

(1/394)
لك أن تدخل، وتسمع، فأبى، فلم يزل به حتى دخل فغنته، فأعجبته، ولم يزل يسمعها، ويلاحظ النظر حتى شغف بها، فلما شعرت بلحظه إياها غنته:
رب رسولين لنا بلغا ... رسالة من قبل أن نبرحا
الطرف للطرف بعثناهما ... فقضيا حاجة وما صرحا
قال: فأغمي عليه، وكاد يهلك، فقالت له: إني والله أحبك. قال: وأنا والله أحبك، قالت: وأحب أن أضع فمي على فمك. قال: وأنا والله كذلك. قالت: فما يمنعك من ذلك؟ قال: أخشى أن تكون صداقة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة. أما سمعت قوله تعالى: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين 67
«1» . ثم نهض وعاد إلى طريقته التي كان عليها، وأنشأ يقول:
قد كنت أعذل في السفاهة أهلها ... فاعجب لما تأتي به الأيام
فاليوم أعذرهم وأعلم إنما ... سبل الضلالة والهدى أقسام
وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية بالشام، فأنزله في دار عياله، وأظهر من إكرامه ما يستحقه، فغاظ ذلك فاختة بنت قرظة زوج معاوية فسمعت ذات ليلة غناء عند عبد الله بن جعفر، فجاءت إلى معاوية، فقالت: هلم، فاسمع ما في منزلك الذي جعلته من لحمك ودمك، وأنزلته بين حرمك، فجاء معاوية، فسمع شيئا حركه وأطربه، فقال: والله إني لأسمع شيئا تكاد الجبال أن تخر له، ثم انصرف، فلما كان في آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله بن جعفر، وهو قائم يصلي، فنبه فاختة، وقال لها: اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي ملوك بالنهار رهبان بالليل.
ثم إن معاوية أرق ذات ليلة، فقال لخادمه: اذهب فانظر من عند عبد الله بن جعفر، وأخبره إني قادم عليه، فذهب وأخبره، فأقام عبد الله كل من كان عنده، فلما جاء معاوية لم ير في المجلس غير عبد الله، فقال: مجلس من هذا؟
قال عبد الله: هذا مجلس فلان يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: مره، فليرجع إلى مجلسه حتى لم يبق إلا مجلس رجل واحد. قال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس رجل يداوي الآذان يا أمير المؤمنين. قال: إن أذني عليلة، فمره أن يرجع إلى مجلسه، وكان مجلس بديح المغني، فأمره عبد الله بن جعفر، فرجع إلى موضعه، فقال له معاوية:
داو أذني من علتها، فتناول العود وغنى وقال:
ودع سعاد فإن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل
قال: فحرك عبد الله بن جعفر رأسه، فقال له معاوية:
لم حركت رأسك يا ابن جعفر؟ قال: أريحية أجدها يا أمير المؤمنين لو لقيت لأبليت، ولو سئلت لأعطيت، وكان معاوية قد خضب. قال، فقال ابن جعفر لبديح: هات غير هذا، وكان عند معاوية جارية أعز جواريه عليه، وكانت تتولى خضابه، فغنى بديح وقال:
أليس عندك شكر للتي جعلت ... ما ابيض من قادمات الرأس كالحمم «2»
وجددت منك ما قد كان أخلقه ... صرف الزمان وطول الدهر والقدم «3»
فطرب معاوية طربا شديدا، وجعل يحرك رجله، فقال له ابن جعفر يا أمير المؤمنين إنك سألتني عن تحريك رأسي، فأجبتك وأخبرتك، وأنا أسألك عن تحريك رجلك، فقال: كل كريم طروب، ثم قام، وقال: لا يبرح أحد منكم حتى يأتي له إذني، ثم ذهب، فبعث إلى ابن جعفر بعشرة آلاف دينار ومائة ثوب من خاصة كسوته، وإلى كل رجل منهم بألف دينار، وعشرة أثواب.

مع تحيات جامعة المدينة العالمية

0 التعليقات:

إرسال تعليق