(بعوض) :
قيل إنه أكثر أعضاء منه فإن للفيل أربعة أرجل وللبعوض ستة ويزيد عليه بأربعة أجنحة وله خرطوم مجوف نافذ فإذا طعن به جسد إنسان استقي الدم وقذف به إلى جوفه فهو له كالبلعوم والحلقوم ومما ألهمه الله تعالى أنه إذا جلس على عضو انسان يتبع مسام العروق فإنها أرق وأسرع له في إخراج الدم وعنده شره في مصه حتى قيل إنه لا يمص شيئا فيتركه باختياره إلى أن ينشق أو يطار. ومن عجيب أمره أنه ربما قتل البعير وغيره من ذوات الأربع فيتركه طريحا. وقال الجاحظ من علم البعوض إن وراء جلد الجاموس دما وأن ذلك الدم غذاء لها وأنها إذا طعنت في ذلك الجلد الغليظ نفذ فيه خرطومها مع ضعفه ولو أنك طعنت فيه بمسلات شديدة المتن رهيفة الحد لانكسرت فسبحان من رزقها على ضعفها بقوته وقدرته. قال بعضهم:
أقول لنازل البستان طوبى ... لعيشك لم تشك فيه البعوض
يململه فليس له قرار ... ويثخنه فليس له نهوض
حماه قرصه وطنينه أن ... يبيت وعينه فيها غموض
كأنك حين تهدى بالأغاني ... تكر وفي مسامعك العروض
ومن الحكم التي أودعها الله تعالى إياها أن جعل الله فيها قوة الحافظة والفكر وحاسة اللمس والبصر والشم ومنفذ الغذاء وجوفا وعروقا ومخا وعظاما فسبحان من قدر فهدى ولم يترك شيئا سدى.
وقال الزمخشري في تفسير سورة البقرة في ذلك:
يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى مناط عروقها في نحرها ... والمخ من تلك العظام النحل «2»
ويرى خرير الدم في أوداجها ... متنقلا من مفصل في مفصل
ويرى وصول غذا الجنين ببطنها ... في ظلمة الأحشا بغير تمقل «3»
ويرى مكان الوطء من أقدامها ... في سيرها وحثيثها المستعجل
ويرى ويسمع حس ما هو دونها ... في قاع بحر مظلم متهول
امنن علي بتوبة تمحو بها ... ما كان مني في الزمان الأول
(بغل) :
معروف وكنيته أبو قموص وأبو حرون وله كنى غير ذلك كثيرة وهو مركب من الفرس والحمار ولذلك صار له صلابة الحمار وعظم الخيل وهو عقيم لا نسل له.
روى ابن عساكر في تاريخ دمشق عن علي كرم الله وجهه أنها كانت تتناسل فدعا عليها إبراهيم الخليل لأنها كانت تسرع في نقل الحطب لنار المنجنيق فقطع الله نسلها وهو أشر الطباع لأنه تجاذبه الاعراق المتضادة والاخلاق المتباينة والعناصر المتباعدة، ومن العجيب أن كل عضو فرضته منه كان بين الفرس والحمار.
الخواص: يقال إن حافر البغلة السوداء ينفع لطرد الفار
(1/352)
إذا بخر به البيت وإذا سحق حافره بعد حرقه وخلط بدهن الآس وجعل على رأس الاقرع نبت شعره وزبله إذا شمه المزكوم زال زكامه على ما ذكر.
(بقر) :
هو حيوان شديد القوة خلقه الله تعالى لمنفعة الإنسان وهو أنواع الجواميس وهي أكثر ألبانا وكل حيوان انائه أرق أصواتا من ذكوره إلا البقر وأنثاه يضربها الفحل في السنة مرة وإذا اشتد شبقها تركت المرعى وذهبت وإذا طلع عليها الفحل التوت تحته إذا أخطأ المجرى لشدة صلابة ذكره. قال المسعودي رأيت بالري البقر تحمل كالبعير فتبرك على ركبتيها ثم تثور بالحمل.
(عجيبة) : حكي في الأحياء إن شخصا كان له بقرة وكان يشوب لبنها بالماء ويبيعه، فجاء السيل في بعض الأودية وهي واقفة ترعى فمر عليها فغرقها، فجلس صاحبها يندبها فقال له بعض بنيه: يا أبت لا تندبها فإن المياه التي كنا نخلطها بلبنها اجتمعت فغرقتها.
فائدة: ذكر ابن الفضل في كتابه عن وهب ابن منبه أنه قال؛ لما خلق الله تعالى الأرض ماجت واضطربت كالسفينة، فخلق الله تعالى ملكا في نهاية العظم والقوة وأمره أن يدخل تحتها ويجعلها على منكبيه فدخل وأخرج يدا من المشرق ويدا من المغرب وقبض على أطراف الأرض وأمسكها ثم لم يكن لقدميه قرار فخلق الله تعالى صخرة من ياقوتة حمراء في وسطها سبعة آلاف ثقب فخرج من كل ثقب بحر لا يعلم عظمه إلا الله تعالى ثم أمر الصخرة أن تدخل تحت قدمي الملك ثم لم يكن للصخرة قرار فخلق الله تعالى ثورا عظيما يقال له كيوثاء له أربعة آلاف عين ومثلها أنوف وآذان وأفواه وألسنة وقوائم ما بين كل قائمتين منها مسيرة خمسمائة عام، وأمر الله تعالى هذا الثور فدخل تحت الصخرة وحملها على ظهره وقرونه ثم لم يكن للثور قرار فخلق الله تعالى حوتا يقال له يهموت ثم أمره الله تعالى أن يدخل تحته ثم جعل الحوت على ماء ثم جعل الماء على الهواء ثم جعل الهواء على ماء أيضا ثم جعل الماء على الثرى على الظلمة ثم انقطع علم الخلائق.
الخواص: شحم البقر إذا خلط بزرنيخ أحمر طرد العقارب وإذا طلي به إناء اجتمعت البراغيث إليه وإذا شرب لبنها زاد في الانعاظ وقرنها إذا سحق وجعل في طعام صاحب الحمى فأكله زالت الحمى ومرارتها إذا خلطت بماء الكراث نفعت من البواسير طلاء وإذا طلي به على الأثر الأسود في البدن ازاله وخصية الفحل إذا جففت وسحقت وجعلت في عسل وأكلت فإنها تزيد في الباه وشعرها إذا أحرق واستيك به نفع من وجع الأسنان وإذا خلط مع السكنجيين وشرب نفع من الطحال على ما ذكر.