الأحد، 9 يونيو 2013

"استغواك الشيطان حتى حدثتك نفسك بما تنقطع دونه الأوهام ..

وحكي عن أمير المؤمنين المأمون وهو المشهود له بالاتفاق على علمه، والمشهور في الآفاق بعفوه وحلمه،
(1/203)
أنه لما خرج عمه إبراهيم المهدي عليه وبايعه العباسيون بالخلافة ببغداد وخلعوا المأمون، وكان المأمون إذ ذاك بخراسان فلما بلغه الخبر قصد العراق فلما بلغ بغداد اختفى إبراهيم بن المهدي وعاد العباسيون وغيرهم إلى طاعة المأمون ولم يزل المأمون متطلبا «1» لابراهيم حتى أخذه وهو متنقب «2» مع نسوة، فحبس ثم أحضر حتى وقف بين يدي المأمون فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فقال المأمون: لا سلم الله عليك ولا قرب دارك، استغواك «3» الشيطان حتى حدثتك نفسك بما تنقطع دونه الأوهام «4» . فقال له إبراهيم: مهلا يا أمير المؤمنين فإن ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى، ولك من رسول الله صلى الله عليه وسلم شرف القرابة وعدل السياسة وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن أخذت فبحقك وإن عفوت فبفضلك، والفضل أولى بك يا أمير المؤمنين ثم قال هذه الأبيات:
ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه
فخذ بحقك أو لا ... فاصفح بعفوك عنه
إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه
فلما سمع المأمون كلامه وشعره ظهرت الدموع في عينيه وقال: يا إبراهيم الندم توبة وعفو الله تعالى أعظم ما تحاول وأكثر مما تأمل، ولقد حبب إلي العفو حتى خفت أن لا أؤجر عليه، لا تثريب «5» عليك اليوم. ثم أمر بفك قيوده وإدخاله الحمام وإزالة شعثه «6» وخلع عليه ورد أمواله جميعها إليه فقال فيه مخاطبا:
رددت مالي ولم تبخل علي به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي
فإن جحدتك ما أوليت من كرم ... إني لباللؤم أولى منك بالكرم
وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج يأمره أن يبعث إليه برأس عباد بن أسلم البكري، فقال له عباد: أيها الأمير أنشدك الله لا تقتلني، فو الله إني لأعول أربعا وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري. فرق لهن واستحضرهن وإذا واحدة منهن كالبدر، فقال له الحجاج: ما أنت منه؟
قالت: أنا بنته فاسمع يا حجاج مني ما أقول ثم قالت:
أحجاج إما أن تمن بتركه ... علينا وإما أن تقتلنا معا
أحجاج لا تفجع به إن قتلته ... ثمانا وعشرا واثنتين وأربعا
أحجاج لا تترك عليه بناته ... وخالاته يندبنه الدهر أجمعا
فبكى الحجاج ورق له واستوهبه من أمير المؤمنين عبد الملك وأمر له بصلة.
اسم الكتاب:
المستطرف في كل فن مستظرف
المؤلف:
شهاب الدين محمد بن أحمد الأبشيهي أبو الفتح
الفن: 
الأدب والبلاغة
عدد المجلدات:
1
للاطلاع على الكتاب إليكم الرابط:

0 التعليقات:

إرسال تعليق