الأربعاء، 31 يوليو 2013

سلسلة قراءات فى تاريخ الاسلام والمسلمين- ثورة عبد الله بن الزبير:

ثورة عبد الله بن الزبير: 
1. التعريف به، وذكر شيء من فضائله:
هو عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق وعنها-، وكانت تلقب بذات النطاقين، ولد عبد الله في العام الأول من الهجرة، وهو أول مولود للمسلمين في المدينة وكانت سعادتهم به عظيمة؛ لأن اليهود في المدينة أشاعوا أنهم سحروا المسلمين فلن يولد لهم ولد.
ونشأ عبد الله نشأة إسلامية خالصة في بيئة طيبة طاهرة، معطرة بعبق النبوة، فأبوه هو الزبير حواري رسول الله وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وأبو بكر الصديق هو جد عبد الله بن الزبير فهو أبو أمه أسماء، وعائشة أم المؤمنين خالته، وكانت تكنى به ويقال لها: يا أم عبد الله؛ لأنها لم تنجب ولدًا من رسول الله.
ويعد عبد الله بن الزبير من الصحابة؛ لأنه عاش نحو عشر سنوات في حياة النبي ، وكان شجاعًا ذكي الفؤاد معتدًّا بنفسه ذا طموح كبير، شارك في الفتوحات وهو حدث صغير، فحضر معركة اليرموك سنة ثلاث عشر من الهجرة، وكان حينئذ في سن العاشرة، واشترك في فتح شمال أفريقيا في خلافة عثمان بن عفان سنة سبعة وعشرين من الهجرة.
ولما حوصر عثمان في داره يوم استشهاده سنة خمسة وثلاثين كان عبد الله بن الزبير من المدافعين عنه، كما أنه شهد موقعة الجمل سنة ستة وثلاثين مع أبيه الزبير وطلحة بن عبيد الله وخالته السيدة عائشة }.
وكان عبد الله بن الزبير من بين الذين اختارهم عثمان لكتابة المصحف الشريف؛ بهدف جمع الناس على مصحف واحد، ويعد هذا من فضائل ابن الزبير، ومن فضائله كذلك أنه كان عالمًا فقيهًا عابدًا وقورًا، كثير العبادة من صلاة وصيام وذكر وخشوع، حتى قال فيه عثمان بن طلحة: "كان ابن الزبير لا ينازَع في ثلاثة: شجاعة، وعبادة، وبلاغة".
ووصفه ابن عباس بقوله: "كان قارئًا لكتاب الله، عفيفًا في الإسلام، متبعًا لسنة رسول الله قانتًا لله".
ولما تولى معاوية بن أبي سفيان الخلافة سنة واحد وأربعين استمال إليه عبد الله بن الزبير، وأحسن إليه كما أحسن إلى غيره من الصحابة وأبنائهم، فقابل ذلك ابن الزبير بحسن الطاعة لمعاوية، بل وشارك في الغزو تحت قيادة ابنه يزيد في أول حملة عسكرية، توجهت لفتح مدينة القسطنطينية سنة تسعة وأربعين.
وظلت علاقة عبد الله بن الزبير بمعاوية على أحسن حال، إلى أن أخذ البيعة لابنه يزيد، فأظهر عبد الله معارضته الشديدة لذلك، وبعد وفاة معاوية رفض عبد الله بن الزبير أن يبايع يزيد بن معاوية، وانتقل إلى مكة المكرمة وسمى نفسه العائذ بالبيت، لكنه لم يعلن عن رغبته في الخلافة لوجود الحسين بن علي، فلما استشهد الحسين في كربلاء سنة واحد وستين -كما ذكرنا وفصلنا- وتوفي الخليفة يزيد بن معاوية بعد ذلك سنة أربعة وستين، أعلن عبد الله بن الزبير نفسه خليفة في مكة.
2. إعلان ابن الزبير نفسه خليفة بعد موت يزيد بن معاوية سنة أربعة وستين:
لما سادت الفوضى الدولة الأموية بعد موت الخليفة يزيد بن معاوية، ورفض ابنه معاوية الثاني قبول الخلافة، تلفت الناس حولهم فلم يجدوا أفضل من عبد الله بن الزبير، فبايعوه بالخلافة واتسعت دولته حتى شملت معظم أنحاء الأقاليم الإسلامية آنذاك، فدخلت في طاعته ودولته الجديدة الكوفة والبصرة وكلاهما من العراق بل والعراق كله، ومصر وخراسان والشام وهي معقل الأمويين، ولم يبق من الشام سوى الأردن ظل على ولائه لبني أمية.
3. مروان بن الحكم يقاتل عبد الله بن الزبير:
ذكرنا من قبل أثناء حديثنا عن عهد مروان بن الحكم أن الأمويين استطاعوا أن يوحدوا كلمتهم وبايعوا مروان بالخلافة سنة أربع وستين، فبدأ عهده بالقضاء على أنصار عبد الله بن الزبير في الشام، في معركة مرج راهط الشهيرة في العام نفسه، وتقع شرقي مدينة دمشق، ثم زحف بجيوشه إلى مصر فاستردها بسهولة من أنصار الزبيريين، ثم عاد إلى دمشق وتوفي بها سنة خمسة وستين، بعد أن قضى عشرة أشهر فقط خليفة، وتولى ابنه عبد الملك الخلافة، وواصل محاربة عبد الله بن الزبير.
4. ابن الزبير وعبد الملك بن مروان واستمرار الصراع:
كانت الشام ومصر تحت سلطان عبد الملك، في حين بقيت الحجاز والعراق تحت سيطرة عبد الله بن الزبير، وفي أثناء ذلك ظهرت دعوة المختار بن أبي عبيد الثقفي التي اجتذبت الشيعة وانضموا تحت لوائه، وازداد نفوذه بالعراق بعد أن هزم جيشًا أرسله عبد الملك بن مروان بقيادة عبيد الله بن زياد، في معركة الخازر سنة سبعة وستين، وقد تكلمنا عن هذه المعركة.
وبعد تلك الهزيمة توقف عبد الملك بن مروان مؤقتًا عن فكرة استعادة العراق؛ لعلمه أن عبد الله بن الزبير لن يترك المختار بن أبي عبيد الثقفي يستبد بالعراق، وأن الصدام بينهما لا مفر منه، فآثر عبد الملك الانتظار حتى يفرغ أحد الطرفين من الآخر، فيقابله عبد الملك وهو منهوك القوى، فيضمن لنفسه الظفر والفوز.
وهذا ما كان، فاصطدم مصعب بن الزبير بالمختار الثقفي وقضى على ثورته وحركته، سنة سبعة وستين من الهجرة، واستعاد مصعب نفوذ أخيه في العراق.
5. سيطرة عبد الملك بن مروان على العراق:
لقد عزم عبد الملك على استعادة العراق التابعة لدولة عبد الله بن الزبير، فخرج إليها بنفسه سنة واحد وسبعين، بعد أن اطمأن إلى تثبيت أركان دولته وتوطيد حكمه، وأعد جيشًا عظيمًا لهذا اللقاء الفاصل، وحين علم مصعب بن الزبير أمير العراق لأخيه عبد الله بهذه التحركات استعد لمواجهة عبد الملك بن مروان.
وقبل اللقاء الفاصل بينهما أخذ عبد الملك يكاتب زعماء أهل العراق، ويعدهم ويمنيهم بالمال، فاستجابوا له وانضموا إليه وتخلوا عن مصعب في أدق المواقف وأصعبها، فانهزم مصعب في المعركة التي دارت بين الفريقين، عند مكان يسمى "دير الجاثْلِيق"، وذلك في جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين من الهجرة، وقتل مصعب في هذا اللقاء بعد أن بذل ما يمكنه من الشجاعة والبسالة.
وبعد انتهاء تلك المعركة دخل عبد الملك الكوفة وبايعه أهلها، ودخلت العراق كله تحت سيطرته، وعين أخاه بشر بن مروان واليًا عليها.
مع تحيات جامعة المدينة العالمية
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

سلسلة قراءات فى تاريخ الاسلام والمسلمين- أحمد بن حنبل

الإمام أحمد بن حنبل من أشهر الدعاة إلى الله
مولده، ونسبه:
ولد أحمد في المشهور المعروف في ربيع الأول من سنة 164 من الهجرة النبوية، وإذا كانت ولادته قد علم تاريخها من غير ظن أو مجال للشك فقد علم أيضًا تاريخ وفاته من غير شك، فقد تطابقت الأخبار على أنه توفي لاثنتي عشر ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكانت جنازته يوم الجمعة، وقد ولد أحمد ببغداد، وقد جاءت أمه حاملًا به من مرو التي كان بها أبوه، وقيل: إنها ولدته بمرو، ولكن الصحيح أنه ولد ببغداد، وحملت به في مرو.
ونسبه عربي، فهو شيباني في نسبه لأبيه وأمه، أبوه شيباني، وأمه كذلك؛ فلم يكن أعجميًّا ولا هجينًا، بل كان عربيًّا خالصًا.
كانت أسرة أحمد من شيبان، وأصل مقامها بالبصرة، وأبوه محمد كان جنديًّا، وقد وصفه ابن الجوزي عن الأصمعي بأنه كان قائدًا، وقد قال عن أبي بكر الأعين: "سمعت الأصمعي يقول: أبو عبد الله أحمد بن حنبل من ذهل، وكان أبوه قائدًا، وذهل هو جد شيبان الذهلي، وقد قال ابن الجزري: كان أبوه في زي الغزاة، ويظهر أن أسرته كانت بعد انتقالها إلى بغداد تعمل للخلافة العباسية، ولم ينقطع اتصالها بها، وإن لم يكن منها ولاة، فإنه يروى أن عم أحمد كان يرسل إلى بعض الولاة بأحوال بغداد؛ ليعلم بها الخليفة إذا كان غائبًا عنها، وكان أحمد يتورع عن المشاركة في ذلك منذ صباه، حتى إنه يروى أن بعض الولاة قال: أبطأت علي أخبار بغداد، فوجهت إلى عم أحمد بن حنبل: لم تصل إلينا الأخبار اليوم، وكنت أريد أن أحررها وأوصلها للخليفة، فقال: قد بعثت بها مع أحمد بن أخي، ثم أحضر أحمد، وهو غلام، فقال: أليس قد بعثت معك الأخبار؟ قال: نعم، قال: فلأي شيء لم توصلها؟ قال: بينا أنا كنت أرفع تلك الأخبار رميت بها في الماء، فجعل الوالي يسترجع، ويقول: هذا غلام يتورع فكيف نحن؟
ولقد كان لنسبه، وفقره غير المدقع أثرهما عندما ألقيت الدنيا بين يديه فألقاها بعيدًا عن مواضع أقدامه، ونحاها بنفس نزيهة، وقلب تقي، كان يهدي إليه المتوكل بدر الأموال فيردها في تواضع كريم.
وكان متطامن النفس محسًّا بإحساس الناس، ما نزل إلى مباذل الناس، وما تسامى عليهم بنسبه الرفيع، حتى لم يلاحظ عليه قط فخر بنسبه العربي، ولقد قال كتاب سيرته: إنه ما رؤي الفقير عزيزًا في مجلس كما كان في مجلس أحمد >، وهذه الخصال الكريمة قد نبعت من ذلك النبع الكريم الذي امتزج فيه شرف النسب بقناعة الفقر، وبسمو الروح، وفضل التقى.
تربيته:
نشأ الإمام أحمد ببغداد، وتربى بها تربيته الأولى، وكانت تموج بالناس الذين اختلفت مشاربهم، وتخالفت مآربهم، وزخرت بأنواع المعارف والفنون فيها القراء، والمحدثون، والمتصوفة، وعلماء اللغة، والفلاسفة الحكماء؛ فقد كانت حاضرة العالم الإسلامي، وقد توافر فيها ما توافر في حواضر العالم من تنوع المسالك، وتعدد السبل، وتنازع المشارب، ومختلف العلوم.
وقد اختارت أسرة أحمد له منذ صباه أن يكون متعلمًا في الدين يعكف عليه، ويتخذ له كل العلوم الممهدة له من علم باللغة، والحديث، والقرآن، ومآثر الصحابة، والتابعين، وأحوال الرسول وسيرته، وسيرة أوليائه الأقربين الذين اختصوا بطول الصحبة، وفقه الدين، ولب اليقين، واتفقت هذه التربية، أو هذا التوجيه مع نزوعه النفسي، وما كانت تصبو إليه همته من غايات، لقد وجهته أسرته إلى القرآن الكريم منذ نشأته الأولى، فاستحفظه، وظهرت عليه الألمعية مع الأمانة والتقى، فكان الغلامَ التقي بين الغلمان، كما صار من بعد الشاب التقي، ثم الكهل الذي أبلى البلاء الأكبر في الإسلام، واحتمل المكاره في سبيل ما يعتقد، أو ما يراه تهجمًا فيما ليس به علم، حتى إذا أتم حفظ القرآن وعلم اللغة اتجه إلى الديوان ليمرن على التحرير والكتابة، ولقد قال في ذلك: "كنت، وأنا غليم أختلف إلى الكتاب، ثم اختلفت إلى الديوان، وأنا ابن أربع عشرة سنة".
ولقد اختار أحمد في صدر حياته رجال الحديث، ومسلكهم فاتجه إليهم أول اتجاهه، واستمر أحمد على الرحلة في طلب العلم، حتى بعد أن اكتملت رجولته،ونضج علمه، ولقد وعد الشافعي عند آخر لقاء بينهما أن يلحقه إلى مصر، ولكنه لم ينجز ما وعد، فقد روى حرملة عن الشافعي أنه قال: "وعدني أحمد بن حنبل أن يقدم علي مصر فلم يقدم".
قال ابن أبي حاتم: "يشبه أن تكون خفة ذات اليد منعته أن يفي بالعدة".
طوف أحمد في الأقاليم الإسلامية طالبًا للحديث: لا يستكثر الكثير، ولا يني عن الكد واللغوب، يحمل حقائب كتبه على ظهره، حتى لقد رآه بعض عارفيه في إحدى رحلاته، وقد كثر ما رواه من الأحاديث وحفظه وكتبه، فقال له معترضًا مستكثرًا ما حفظ وما كتب وما روى: مرة إلى الكوفة، ومرة إلى البصرة إلى متى؟.
ويجب أن نقرر أن أحمد كان يطلب فيما يطلب علم الفقه والاستنباط مع الرواية، وتلقى ذلك عن الشافعي وغيره، بل إننا لننتهي إلى أن نقبل ما قيل عنه من أنه كان يحفظ كتب أهل الرأي، ولكن لا يأخذ بها أو يعرض عنها، ولم يلتفت إليها، فقد قال تلميذه الخلال: كان أحمد قد كتب كتب الرأي وحفظها، ثم لم يلتفت إليها.
ويغلب على الظن أنه لم يطلب علم الكلام، ولا العلوم الفلسفية، التي كثرت ترجمتها في حياته؛ لأنه لم يجد شيئًا من العلم جديرًا بالعناية غير الحديث والكتاب، وما هو كالآلة لفهم كل العلوم الدينية وهو العلوم العربية.
ولكن لا نستطيع أن نقول: إن أحمد لم يطلع على بعض آراء الفرق المختلفة كالخوارج، والشيعة، والجهمية، والمعتزلة، وغيرهم، بل إن الظن كل الظن أن يكون أحمد ألم بهذه الفرق، وحياته وأخباره تمهد لذلك ولا تنافيه؛ ذلك لأنه رحل إلى البصرة خمس مرات لطلب الحديث، وكانت إقامته تمتد إلى ستة أشهر أو تزيد، والبصرة كانت موطن الاعتزال، وفي بدايتها كان الخوارج يرابطون ويغيرون، وكانت الجهمية والمرجئة لهم طوائف فيها وفي الكوفة، والعالم الباحث يصل إليه علم كثير ممن يجاورهم ويخالطهم ويتصل بهم.
ونعلم أيضًا أن أحمد كان يعلم الفارسية ويتكلم بها أحيانًا إذا كان مخاطبه لا يحسن العربية، ولا يستطيع الإفهام بها، والخبر بمعرفة أحمد بالفارسية صحيح، فإنه يروى كما جاء في (تاريخ الذهبي): أنه قدم عليه من خراسان ابن خالته، ونزل عنده، ولما قدم له الطعام كان أحمد يسأله عن خراسان وأهلها، وما بقي من ذوي أحمد بها، وربما استعجم القول على الضيف، فيكلمه أحمد بالفارسية.
ويظهر أنه كان له مجلسان في الدرس والتحديث؛ أحدهما في منزله يحدث فيه خاصة تلاميذه وأولاده، والثاني في المسجد يحضر إليه العامة والتلاميذ، وكان يذكر أن درسه يبلغ من يحضره خمسة آلاف، وأن خمسمائة فقط هم الذين يكتبون، أي: نحو عُشر الحاضرين الذين ينقلون عنه الحديث ويروونه، وهم الخاصة من تلاميذه والمستمعين إليه، وخاصة الخاصة من تلاميذه هم الذين كانوا يذهبون إلى بيته ويتلقون عنه مع أولاده وأهله.
ويلاحظ في درس أحمد ثلاثة أمور جعلت له أثرًا في النفوس جيدًا، وهذه الأمور هي:
أولًا: كان يسود مجلسه الوقار والسكينة مع تواضع واطمئنان نفسي، ولم يكن الوقار في مجلس علمه وحده، كان في كل مجالسه لا يمزح ولا يلهو؛ لأن اللهو في جملته باطل؛ ولأن كل مزحة مجة من العقل، وقد علم مخالطوه منه ذلك، فكانوا لا يمزحون في حضرته قط في مجلس علم أو في غير مجلس علم، بل إن شيوخه علموا ذلك فكانوا هم أيضًا لا يمزحون في حضرته.
فقد روى ابن نعيم عن خلف بن سالم أنه قال: "كنا في مجلس يزيد بن هارون فمزح يزيد مستمليه، فتنحنح أحمد بن حنبل، فضرب بيده على جبينه، وقال: ألا أعلمتموني أن أحمد هنا حتى لا أمزح".
ثاني الأمور التي كانت تلاحظ في درسه: أنه كان لا يلقي الدرس من غير طلب، بل يسأل عن الأحاديث المروية في الموضوع، فيستحضر الكتب التي دون فيها تلك الأحاديث، فهو أولًا: ما كان يقول حتى يطلب منه، وثانيًا: إذا كان قال حديثًا نبويًّا لا يقوله إلا من كتاب حرصًا على جودة النقل، وإبعادًا لمظنة الخطأ ما أمكن، وفي الأحوال النادرة جدًّا كان يقول الحديث من غير رجوع إلى كتاب، حتى إنهم أحصوا المرات التي قال فيها الحديث من غير كتاب في مدى تحديثه، فكانت عدتها لا تتجاوز مائة حديث في حياة مديدة في الرواية والنقل، مكث فيها يفتي ويحدث ما يقرب الأربعين عامًا.
وثالث الأمور التي كانت تلاحظ على مجالس أحمد في دروسه: أنها كانت من حيث موضوعها قسمين:
أحدهما: رواية الحديث ونقله، وهذه يمليها على تلاميذه من كتاب كما رأيت، ولا يعتمد على حفظه إلا نادرًا.
وثانيهما: فتاويه الفقهية التي كان يضطر إلى استنباطها، وهذه لا يسمح لتلاميذه أن يدونوها، ولا يسمح لهم أن ينقلوها عنه؛ إذ إنه ما كان يستجيز التدوين، إلا لأحاديث رسول الله ويرى أن علم الدين وحده هو علم الكتاب والسنة، وأن من البدع تدوين آراء الناس في الدين بجوار كتاب الله وسنه رسول الله
وكان أبغض الأشياء إليه أن يرى كتابًا قد دونت فيه فتوى له >، وكان يكره من أصحابه أن ينقلوا عنه فتاويه، وربما أنكر نسبتها إليه؛ لأنه لم يحفظ ما قال، ولم يقصد إلى حفظه؛ لأن ذلك غير جائز في نظره.
المحنة، وأسبابها، وأدوارها:
سبب المحنة دعوة المأمون للفقهاء والمحدثين أن يقولوا مقالته في خلق القرآن، فيقولوا: إن القرآن مخلوق مُحدَث كما يقول أصحابه من المعتزلة الذين اختار منهم وزراءه وصفوته الذين جعلهم بمنزلة نفسه، وجعل منهم شعاره ودثاره، والذي يتأكده العلماء أن أحمد لم يوافق المأمون في رأيه، ولم ينطق بمثل مقالته، وأنه نزل به الأذى الشديد لذلك، وبدأ في عصر المأمون، وتوالى في عصر المعتصم، والواثق بوصية من المأمون واتباعًا لمسلكه.
وإذا كان سبب المحنة هو أن المأمون أراد أن يحمل أحمد على أن يقول مقالته في خلق القرآن، فيروى أن أول من قال: إن القرآن مخلوق هو الجعد بن درهم في العصر الأموي، فقتله خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بالكوفة، وقد أتى به مشدودًا في الوثاق عند صلاة العيد، فصلى خالد وخطب، ثم قال آخر خطبته: اذهبوا، وضحوا بضحاياكم تقبل، فإني أريد أن أضحي بالجعد بن درهم، فإنه يقول: ما كلم الله موسى تكليمًا، ولا اتخذ الله إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول علوًّا كبيرًا، ثم نزل وقتله.
وقال مثل ذلك القول الجهم بن صفوان، وقد نفى صفة الكلام عن الله تنزيهًا له عن الحوادث وصفاتها، وحكم بذلك بأن القرآن مخلوق، وليس بقديم.
ولما جاء المعتزلة، ونفوا صفات المعاني، ثم بالغوا فأنكروا أن يكون الله متكلمًا، وما ورد في القرآن من أن الله كلم موسى تكليمًا أولوه بأنه خلق الكلام في الشجرة، فهم لا يصفون الله بأنه متكلم، ولكنهم يعتقدون أن الله تعالى يخلق الكلام كما يخلق كل شيء، وعلى هذا الاعتقاد بنوا دعواهم أن القرآن مخلوق لله تعالى.
ولقد خاض المعتزلة في حديث خلق القرآن خوضًا شديدًا في العصر العباسي، وشاركهم بعض قليل من الفقهاء، فقد كان بشر بن غياث الموريسي من المصرين على ذلك القول، وقد نهاه أبو يوسف أستاذه وصاحب أبي حنيفة فلم ينتهِ فطرده من مجلسه، وابتدأ خوض المعتزلة يشتد في عهد الرشيد، وأخذوا يدعون الناس إلى ذلك، ولكن الرشيد لم يكن ممن يشجعون الخوض في العقائد، والجدل فيها على ضوء أقوال الفلاسفة، ولذلك لم يشجع المعتزلة على ذلك الخوض، بل يروى أنه حبس طائفة من المجادلين من هؤلاء المعتزلة، ولما بلغته مقالة بشر بن غياث قال: وإن أظفرني الله به أقتله، فظل بشر مستخفيًا طول خلافة الرشيد، فلما جاء المأمون أحاط به المعتزلة، وكان جُلُّ حاشيته من رجالهم، وأدناهم هو إليه، وقربهم زلفًا نحوه، وأكرمهم أبلغ الإكرام، حتى يروى أنه كان إذا دخل عليه أبو هشام الفوطي من أئمة المعتزلة تحرك له حتى يكاد يقوم، ولم يكن يفعل ذلك مع أحد من الناس، والسبب في ميل المأمون للمعتزلة ذلك الميل أنه كان تلميذًا لأبي الهذيل العلاف في الأديان والمقالات، وأبو هذيل من رءوس المعتزلة.
ولما عقد المأمون المجالس للمناظرات والمناقشات في المقالات والنحل كانوا الفرسان السابقين والبارزين على الخصوم؛ لما اختصوا به من دراسات عقلية واسعة، ولذلك كان لهم الأثر الكبير في نفس المأمون يجتبي منهم من يشاء لصحبته، ويختار منهم من يريد لوزارته، وخص منهم أحمد بن أبي دؤاد بالرعاية والعطف والتقريب، حتى إنه أوصى أخاه المعتصم بإشراكه معه في أمره، وقال له في وصيته: "وأبو عبد الله بن أبي دؤاد فلا يفارقك، وأشركه في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع لذلك منك".
فلما أحس المعتزلة بهذه المنزلة زينوا له إعلان قوله في خلق القرآن نشرًا لمذهبهم، وليكتسبوا بذلك إجلال العامة واحترامهم، وصادف ذلك هوى في نفسه، فأعلن ذلك سنة 212 هجرية، وناظر من يغشى مجلس مناظرته في هذا الشأن، وأدلى فيها بحججه وأدلته، وترك الناس أحرارًا في عقائدهم لا يحملون على فكرة لا يرونها، ولا عقيدة لا يستسيغون الخوض في شأنها.
ولكن في سنة 218 هجرية -وهي السنة التي توفي فيها- بدا له أن يدعو الناس بقوة السلطان إلى اعتناق فكرة خلق القرآن، وأراد أن يحملهم على ذلك قهرًا، وابتدأ ذلك بإرسال كتبه وهو بالرق إلى إسحاق بن إبراهيم نائبه في بغداد لامتحان الفقهاء والمحدثين ليحملهم على أن يقولوا: إن القرآن مخلوق.
ويظهر أنه ابتدأ يحمل الذين لهم شأن في مناصب الدولة، والذين يتصلون بالحكام بأي نوع من أنواع الاتصال، ولو كانوا شهودًا في نزاع يفصل فيه القضاء، فقد جاء في آخر أول كتاب أرسله إلى نائبه في بغداد: فاجمع من بحضرتك من القضاة، واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون، وتكشيفهم عما يعتقدون في خلق القرآن وإحداثه، وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله ولا واثق فيمن قلده واستحفظه من رعيته لمن لا يوثق بدينه وخلوص توحيده ويقينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه وكانوا على سبيل الهدى والنجاة فمرهم بنص من يحضرهم من الشهود على الناس، ومسألتهم عن علمهم في القرآن، وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق محدث ولم يره، والامتناع عن توقيعها عنده، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك عن قضاه أهل عمل في مسألتهم، والأمر لهم بمثل ذلك، ثم أشرف عليهم وتفقد آثارهم حتى لا تنفذ أحكام الله إلا بشهادة أهل البصائر في الدين والإخلاص للتوحيد.
وترى من هذا أنه لم توضع عقوبة لمن لم يعتقد هذه العقيدة سوى الحرمان من مناصب الدولة أو عدم سماع شهادته إن كان شاهدًا، ولم يعد كتابه الثاني ذلك، فأحضر إسحاق بن إبراهيم القضاة واختبرهم، ولم يكتفِ بذلك، بل أحضر المحدِّثين أيضًا وكل من تصدَّى للفتوى والتعليم والإرشاد وامتحنهم، وأرسل إجابتهم عن مسألته في خلق القرآن إلى المأمون، فأرسل هذا كتابًا يبين سخف هذه الإجابات في نظره ويجرح المجيبين ويسلقهم بقارص القول وعنيف الكلام، ثم ذكر في هذا الكتاب عقوبات لمن لم يقل مقالته؛ إذ أمر بحمل من لم يقل إليه موثقًا، وقال: "من يرجع عن شركه ممن سميت لأمير المؤمنين في كتابك، وذكره أمير المؤمنين، أو أمسك عن ذكره في كتابه هذا، ولم يقل: إن القرآن مخلوق بعد بشر بن الوليد، وإبراهيم بن المهدي، فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين مع من يقوم بحفظهم وحراستهم في طريقهم حتى يؤديهم إلى عسكر أمير المؤمنين، وتسليمهم إلى من يؤمن بتسليمهم لينصهم أمير المؤمنين، فإن لم يرجعوا ويتوبوا حملهم جميعًا على السيف إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله".
وترى من هذا كيف ترقى من عقوبة الحرمان من المناصب، وقبول الشهادة إلى الإنذار بعقوبة الإعدام.
وقد سارع إسحاق بن إبراهيم إلى تنفيذ رغبتهم، فأحضر المحدثين والفقهاء والمفتين وفيهم أحمد بن حنبل، وأنذرهم بالعقوبة الصارمة، والعذاب العتيد إن لم يقروا بما يطلب منهم، وينطقوا بما سئلوا أن ينطقوا به، ويحكموا بالحكم الذي ارتآه المأمون من غير تردد أو مراجعة، فنطقوا جميعًا بما طلب منهم، وأعلنوا اعتناق ذلك المذهب، ولكن أربعة ربط الله على قلوبهم، واطمأنوا إلى حكم الله، وآثروا الباقية على الفانية، لم يرضوا بالدنية فيما اعتقدوا، فأصروا على موقفهم إصرارًا جريئًا، وهم: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، والقواريري، وسجادة، فشُدوا في الوثاق، وكبلوا بالحديد، وباتوا ليلتهم مصفدين في الأغلال، فلما كان الغد أجاب سجادة إسحاق فيما يدعوه إليه فخلوا عنه، وفكوا قيوده، واستمر الباقون على حالهم.
وفي اليوم التالي أعيد السؤال عليهم، وطلب الجواب إليهم، فخارت نفس القواريري، وأجابهم إلى ما طلبوا، ففكوا قيوده، وبقي اثنان الله معهما، فسيقا في الحديد ليلتقيا بالمأمون في طرسوس، وقد استشهد ابن نوح في الطريق، والذين أجابوا طلب منهم أن يواجهوا المأمون أحرارًا، وقدموا كفلاء بأنفسهم ليوافوه بطرسوس كأخويهم.
وبينا هم في الطريق نعى الناعي المأمون، ولكنه -عفا الله عنه- لم يودع هذه الدنيا من غير أن يوصي أخاه المعتصم بالاستمساك بمذهبه في القرآن، ودعوة الناس إليه بقوة السلطان، وكأنه فهم أن تلك الفكرة التي استحوذت على رأسه دين واجب الاتباع، لا يبرأ عنقه منها من غير أن يوصي خلفه بها، فوصاه، وقد جاء في مطلع وصيته: "هذا ما أشهد عليه عبد الله بن هارون الرشيد أمير المؤمنين بحضرة من حضره..." إلى أن قال: "يا أبا إسحاق ادنُ مني، واتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك في خلق القرآن".
ولهذه الوصية لم تنقطع المحنة بوفاة المأمون بل اتسع نطاقها، وزادت ويلاتها، وكانت شرًّا مستطيرًا على الموفقين من الزهاد والعلماء والفقهاء، والمحدثين وعلى رأسهم أحمد بن حنبل، وقد بلغ البلاء أشده، والمحنة أقصاها في عهد المعتصم.
علم أحمد:
ذاع علم أحمد واشتهر، وتحدث الناس بذلك وهو حي يرزق، بل إن علمه بالحديث والأثر ذاع، وهو لا زال شابًّا يتلقى العلم، ويأخذ عن الشيوخ، حتى إن أحمد بن سعيد الرازي قال فيه وهو شاب: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله ولا أعلم بفقهه من أحمد بن حنبل.
ويقول له شيخه الشافعي: أنت أعلم بالأخبار الصحاح مني، فإذا كان خبر صحيح، فأعلمني حتى أذهب إليه كوفيًّا كان، أو مصريًّا، أو شاميًّا.
ولقد روى المزني أن الشافعي قال: ثلاثة من عجائب الزمان، عربي لا يعرب كلمة، وهو أبو ثور، وأعجمي لا يخطئ في كلمة، وهو الحسن الزعفراني، وصغير كلما قال شيئًا صدقه الكبار، وهو أحمد بن حنبل.
ويروي حرملة بن يحيى تلميذ الشافعي أنه قال: "خرجت من بغداد، وما خلفت بها أحدًا أورع ولا أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل".
ولقد وصفه الشافعي بالعقل مع علم الرواية، والفقه، فقد قال فيه كما روى تلميذه محمد بن الصباح: "ما رأيت أعقل من أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي".
هذه كلمات الشافعي، وهو العالم الأريب في أحمد الشاب، ولا شك أنه بعد أن تقدمت سنه وهو لم ينقطع عن طلب الفقه والحديث يومًا قد نما علمه وعقله وذاع اسمه وذكره.
وخصوصًا بعد أن ابتلي فأحسن البلاء، وصبر الصبر الجميل، ولم يئنّ، ولم يشك إلى أحد من خلق الله أذى الإنسان، ولننقل بعضًا قليلًا من شهادة معاصريه فيه، لقد قال علي بن المديني معاصره: "ليس فينا أحفظ من أبي عبد الله بن حنبل"، ويقول فيه: "أعرف أبا عبد الله منذ خمسين سنة، وهو يزداد خيرًا".
ويقول قرينه، ومعاصره القاسم بن سلام: "انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن شيبة، وأحمد أفقههم فيه"، ويقول فيه: "ما رأيت رجلًا أعلم بالسنة منه".
ولقد قال فيه يحيى بن معين: "والله لا نقوى على ما يقوى عليه أحمد، ولا على طريقة أحمد"، يقول فيه عبد الرحمن بن مهدي: "هذا أعلم الناس بحديث سفيان الثوري"، ويقول: "ما نظرت إلى أحمد بن حنبل إلا تذكرت به سفيان الثوري"، وسفيان الثوري فقيه أثري زاهد نزه النفس عفيف، فإن سفيان كان أبرز الآخرين في علم أحمد، وفقهه.
بعض صفات الإمام أحمد:
أولى هذه الصفات الحافظة القوية الواعية، وهي صفة عامة للمحدثين وأهل الإمامة منهم بشكل خاص، ولقد اتصف بها مالك، واتصف بها الشافعي من الفقهاء الذين تركوا ثروة من الفقه والنظر والاستنباط، وهذه الحافظة هي الأساس لكل علم ونظر، فلا بد لأهل العلم أن تكون عندهم طائفة حفظوها يبنون عليها ويستنبطون منها، وإن العلماء بالنفس في عصرنا الحاضر كما كان الناس في الغابر يردون عناصر الذكاء إلى الذاكرة المدركة والحافظة الواعية والبديهة الحاضرة التي تثير المعلومات التي حفظت في أوقاتها المناسبة، ولقد آتى الله أحمد من هذه الصفة حظًّا وفيرًا، والأخبار في ذلك متضافرة يؤيد بعضها بعضًا، فمن ذلك ما يروى عنه، فهو يقول: كنت أذاكر وكيعًا بحديث الثوري، فكان إذا صلى العشاء خرج من المسجد إلى منزله، فكنت أذاكره، فربما ذكر تسعة أحاديث أو العشرة فأحفظها، فإذا دخل قال لي أصحاب الحديث: أمل علينا، فأمليها عليهم فيكتبونها.
ولقد شهد بقوة حفظه معاصروه حتى عُدَّ أحفظهم، وحتى لقد قيل لأبي زرعة معاصره: من رأيت من المشايخ، والمحدثين أحفظ؟ قال: أحمد بن حنبل
مع تحيات جامعة المدينة العالمية
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

سلسلة قراءات فى تاريخ الاسلام والمسلمين- الجهر بالدَّعوة

الجهر بالدَّعوة:
أمر الله تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- بأن يَصْدع بما جاء به مِن الدّعوة إلى الإسلام، ونبْذ كلِّ المعبودات مِن دون الله.
قال الله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}. قال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة.وقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: ((ما زال النبي -صلى الله عليه وسلم- مُستخفياً حتى نزلت: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِالْمُشْرِكِينَ}؛ فجهر هو وأصحابه)).
والصَّدْع: أصله: الإبانة والتّمييز والظهور. والإعراض عنالمشركين: الكفّ عن قتالهم.وأمره الله تعالى: أنْ يبدأ بعشيرته الأقربين: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}.
موقف قريش مِن دعوته -صلى الله عليه وسلم
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: ((لمّا نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، صعد النبي -صلى الله عليه وسلم- علىالصَّفا فجعل ينادي: يا بني فهر! يا بني عديّ! لبطون قريش، حتى اجتمعوا. فجعل الرجل إذا لمْ يستطع أنْ يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو. فجاء أبو لهب، وقريش. فقال -صلى الله عليه وسلم-: أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلاً بالوادي تريد أن تُغير عليكم؛ أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم. ما جرّبنا عليك إلا صدقاً. قال: فإني نذير لكم بين يديْ عذاب شديد. فقال: أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألِهذا جمعْتنا؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}))، صحيح البخاري.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: ((قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أنزل الله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، فقال: يا معشر قريش! -أو كلمة نحوها-. اشتروا أنفسكم! لا أغني عنكم مِن الله شيئاً! يا بني عبد مناف! لا أُغني عنكم مِن الله شيئاً! يا عباس بن عبد المطلب! لا أُغني عنك مِن الله شيئاً! يا صفيّة عمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-! لا أُغني عنكِ من الله شيئاً! ويا فاطمة بنت محمد! سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنكِ من الله شيئاً))، صحيح البخاري.
وقفات مع الحديث:
قرّر -صلى الله عليه وسلم- قريش عن صِدقه، فاعترفوا كلّهمبصدقه؛ فهو الأمين الصادق. فلماذا تناقضوا عندما دعاهم إلى الإسلام إلى توحيد الله تعالى، وترْك عبادة الأصنام؟
وفي القصة ذِكره لفاطمة، -وفي بعض طُرقها-: ((يا عائشة بنت أبي بكر! يا حفصة بنت عمر! يا أمّ سلمة!)).
وفاطمة لم تكن في ذلك الوقت في سنّ تخاطَب بمثلها، وكذلك لم تكن عائشة، ولا حفصة، ولا أمّ سلمة مِن زوجات الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ذلك التاريخ. قال بعض العلماء بتعدّد قصّة الجمْع.
فالأُولى: كانت عندما أمَر الله تعالى بالدعوة جهراً. والثانية:جمعهم بعد ذلك في المدينة، وحضر هذا الجمْع: أبو هريرة، وابن عباس؛ وذلك لما نزل: "ورهطك منهم المخلصين".
قال القرطبي: لعلّ هذه الزيادة كانت قرآناً، ثم نُسخت تلاوتها.
الإنسان ملْك لله تعالى، فإذا أطاعه واتّبع رسوله فقد اشترىنفسه منه، وذلك بتخليصها مِن النار؛ وهذا مأخوذ من قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((اشتروا أنفسَكم مِن الله!)).
المراجع والمصادر



  1. الذهبي: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، دار الكتب العلمية 2006م.
  2. السهيلي: الروض الأنف، تحقيق: مجدي منصور سيد الشورى، دار الكتب العلمية 1997م.
  3. المحب الطبري: الرياض النضرة في مناقب العشرة، دار الكتب العلمية –بيروت 1405هـ.
  4. سيد الناس: عيون الأثر، ابن الشركة العربية للطباعة والنشر 1959م.
  5. محمد بن يوسف الصالحي: سبيل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، مجمع البحوث الإسلامية –القاهرة 1973م.
  6. ناصر الدين الألباني: نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، المكتب الإسلامي 1952م.
  7. القسطلاني: شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللدنية، المطبعة الأزهرية 1910م.
  8. ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار صادر للطباعة والنشر 1998م.
  9. عبد السلام هارون: تهذيب سيرة ابن هشام– دار الكتب العلمية – 1996م.
  10. صفي الرحمن المباركفوي: الرحيق المختوم، دار الشرق العربي 2003م.
  11. الأزرقي: تاريخ مكة وما جاء فيها من الآثار، مكتبة خياط 1970م.
  12. الذهبي: سير أعلام النبلاء، دار الكتب العلمية، 2004م.
  13. محمد أبو شهبة: السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة : دار القلم 1996م.
  14. عبد العزيز سالم: تاريخ العرب قبل الإسلام، مؤسسة الثقافة الجامعية 1973م.
  15. الفاسي: شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، دار الكتب العلمية 1980م.
  16. -محمد سعيد البوطي: فقه السيرة، دار الفكر، الطبعة العاشرة 2002م. 4
مع تحيات جامعة المدينة العالمية
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

سلسلة قراءات فى تاريخ الاسلام والمسلمين- موقف بني عبد المطّلب مِن دعوته

موقف بني عبد المطّلب مِن دعوته -صلى الله عليه وسلم.
عزيزي الدّارس، روى الإمام أحمد، عن عليّ بن أبي طالب قال: ((لما نزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، جمَع النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل بيْته؛ فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا. فقال لهم: مَن يَضمن عنِّي ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنّة، ويكون خليفتي في أهلي؟ فقال رجل: يا رسول الله، أنت كنت بحراً. من يقوم بهذا؟ فعرض ذلك على أهل بيته. فقال علي: أنا)).
وذكر البلاذري: أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال في هذا الاجتماع: ((الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكّلعليه. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. ثم قال: إنّ الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتُكم، ولو غررت الناس ما غررْتُكم. والله الذي لا إله إلا هو، إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة. والله لتموتنّ كما تنامون، ولتُبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجزونّ بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً؛ وإنها لجنّة أبداً أو نار أبداً. وإنكم لأوّل مَن أنذر، ومثلي ومثلكم كمثَل رجل رأى العدوّ فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف: يا صباحاه! فقال أبو طالب: ما أحبّ إلينا معاونتك، ومرافدتك، وأقبلنا لنصحك، وأشدّ تصديقاً لحديثك! وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون. وإنما أنا أحدهم، غير أني والله أسرعهم إلى ما تحبّ. فامْضِ لما أُمِرتَ به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أنّي لا أجد نفسي تطوع إلى فراق دين عبد المطّلب. وتكلّم القوم كلاماً ليّناً، غير أبي لهب، فإنه قال: يا بني عبد المطلب، هذه والله السوءة. خذوا على يديْه، قبل أن يأخذ على يديه غيركم. فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم، وإن منعتموه قُتلتم. فقال أبو طالب: والله لنمنعنّه ما بقينا. ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شاباً مِن العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم؛ فإني قد جئتُكم بأمْر الدنيا والآخرة)).
وبعد هاتيْن المواجهتيْن: العامة -مع كافة قريش-، والخاصة مع بني هاشم وبني المطلب، بدأت المفاصلة بين حزب الإيمان وحزب الشيطان. فالرسول -صلى الله عليه وسلم- بدأ بتنفيذ الأمر الإلهي، ويجهر بالدعوة إلى الله تعالى. 
قال ابن إسحاق: فلما بدأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قومه، وصدع بالإسلام، لم يبعد منه قومه ولم يردّوا عليه، حتى عاب آلهتهم، فأعظموه، وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته؛ فحدب عليه عمه أبو طالب، وأكثرت قريش ذكْر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وحضّ بعضهم بعضاً عليه.
قال في "المواهب": فلم يبعد منه قومه ولم يردّوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها؛ وكان ذلك سنة أربع. وكان عدد رجال بني عبد المطلب الذين حضروا هذه الدعوة أكثر مِن أربعين بقليل.

أبو لهب وموقفه مِن الرسول -صلى الله عليه وسلم.

كان أبو لهب حالة شاذّة في المجتمعات القبليّة العربيّة؛ إذ كانتالعصبية هي التي تحرِّكهم: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً".
لكن أبا لهب وقف أمام الرسول -صلى الله عليه وسلم- ودعوته, ولعلّه أوّل مَن تلفّظ بكلمة إساءة في وجه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لأنه لما انتهى -صلى الله عليه وسلم- مِن توجيه الخطاب لكافّة بطون قريش، لم يُجب على كلامه إلاأبو لهب. إذ قال له "تباً لك، ألهذا جمَعْتَنا؟"، فأنزل الله فيه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ}.
ولمّا نزلت هذه السورة، جاءت العوراء -أم جميل، حمالة الحطب-، فقال أبو بكر: ((يا رسول الله، لو تنحَّيْت عنها؛ فإنها امرأة بذيئة اللسان. قال سيُحال بيني وبينها. فقالت: يا أبا بكر هجانا صاحبك. قال: والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله. فاندفعت راجعة. فقال: أبو بكر: يا رسول الله ما رأتك. قال: كان بيني وبينها ملَك سترني بجناحه حتى ذهبت)). وفي بعض الروايات: أنها جاءت مُوَلْوِلة تقول: مذمَّماً أبيْنا، ودينَه قليْنا، وأمره عصيْنا.
وهي تريد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقرأ قول الله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً}.
وعن أبي هريرة: أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((انظروا قريشاً كيف يَصْرف الله عني شتمهم ولعْنهم. يشتمونمذمَّماً، ويلعنون مذمَّماً، وأنا محمد))، صحيح البخاري.
المراجع والمصادر



  1. الذهبي: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، دار الكتب العلمية 2006م.
  2. السهيلي: الروض الأنف، تحقيق: مجدي منصور سيد الشورى، دار الكتب العلمية 1997م.
  3. المحب الطبري: الرياض النضرة في مناقب العشرة، دار الكتب العلمية –بيروت 1405هـ.
  4. سيد الناس: عيون الأثر، ابن الشركة العربية للطباعة والنشر 1959م.
  5. محمد بن يوسف الصالحي: سبيل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، مجمع البحوث الإسلامية –القاهرة 1973م.
  6. ناصر الدين الألباني: نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، المكتب الإسلامي 1952م.
  7. القسطلاني: شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللدنية، المطبعة الأزهرية 1910م.
  8. ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار صادر للطباعة والنشر 1998م.
  9. عبد السلام هارون: تهذيب سيرة ابن هشام– دار الكتب العلمية – 1996م.
  10. صفي الرحمن المباركفوي: الرحيق المختوم، دار الشرق العربي 2003م.
  11. الأزرقي: تاريخ مكة وما جاء فيها من الآثار، مكتبة خياط 1970م.
  12. الذهبي: سير أعلام النبلاء، دار الكتب العلمية، 2004م.
  13. محمد أبو شهبة: السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة : دار القلم 1996م.
  14. عبد العزيز سالم: تاريخ العرب قبل الإسلام، مؤسسة الثقافة الجامعية 1973م.
  15. الفاسي: شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، دار الكتب العلمية 1980م.
  16. -محمد سعيد البوطي: فقه السيرة، دار الفكر، الطبعة العاشرة 2002م. 4
تحيات جامعة المدينة العالمية
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

سلسلة قراءات فى تاريخ الاسلام والمسلمين- ميلاده -صلى الله عليه وسلم

ميلاده -صلى الله عليه وسلم-: الزّمان والمكان:
هناك خلافٌ بين علماء السِّيَر حولَ: العام، والشهر، واليوم، والمكان الذي وُلد فيه -صلى الله عليه وسلم-.
صلاة المسلمين في بداية الإسلام -ركعتان.
ذُكِرَ: ((أنّ جبريل -عليه السلام- ضرب الأرض فنبع الماء، فتوضّأ أمام الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فتوضأ -صلى الله عليه وسلم- كما رأى. ثم صلّى ركعتيْن. فصلّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ثم علّم -صلى الله عليه وسلم- خديجة الوضوء والصلاة، فكانا يصلّيان)).
قال ابن إسحاق: وكان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلَّوا ذهبوا في الشَِّعاب، واستخفَوْا بصلاتهم مِن قومهم.
وقد وقف أبو طالب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعليّ في الشعاب يصلّيان، فقال: يا ابن أخي، ما هذا الذي أراك تَدِين به. قال -صلى الله عليه وسلم-: ((أي عمّ! هذا دين الله ودين رُسله، ودين أبينا إبراهيم، بعثني الله به رسولاً إلى العباد)).
وقد وقعت في الشّعاب معركة بين سعد بن أبي وقاص وبعض قريش. رأوه وبعض المسلمين يصلّون، فضربه أحدهم بلحْي بعير، فسال دمه؛ فكان أوّل دم أهرق في الإسلام.
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((افتُرضت الصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أوَّل ما افتُرضت عليه: ركعتيْن ركعتيْن، كلّ صلاة. ثم إنّ الله تعالى أتمّها في الحضَر أربعاً، وأقرّها في السفر على فرْضها الأول ركعتيْن)).
وذكر بعض العلماء: أنّ الصلاة كانت قبل الإسراء، وفرض الصلاة كانت: صلاة قبل طلوع الشمس، وأخرى بعد الغروب.
تقدّم أنّ أبا طالب أعلن موقفه مِن دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمام بني المطّلب؛ وهذا الموقف يتلخص في أمريْن اثنيْن:
أولاً: الالتزام التام بحماية الرسول -صلى الله عليه وسلم-، مهما كلّفه ذلك مِن أمر.
ثانياً: يعلم علْم اليقين: أنّ ما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- حقٌ، إلاّ أنه لِمكانته مِن قومه، لا يريد أنْ يترك دين آبائه، وأنْ يُسفِّه ما كان يفعل عبد المطّلب. فالهداية مِن الله تعالى. -اللهم اهدنا إلى الصراط المستقيم-. ونظراً لمكانة أبيطالب في قريش عامة، وبني هاشم خاصة، بدأت قريش تُحاوره مِن أجل التّخلّي عن حماية الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأنْ يَترك الأمْر لهم، وقد تذرّعوا بعدّة حُجج، وقدّموا عدّة عروض.
ويُمكن أنْ نُجمل أهمّ الأمور التي كانت تَحملها قريش في مفاوضتها مع أبي طالب في النّقاط التالية:
1- مشى رجال مِن أشرافهم إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا. فإمّا أن تَكفّه، وإمّا أنْ تخلِّي بيننا وبينه. فإنك على مثْل ما نحن عليه مِن خلافه، فنكفيكَه. فقال لهم أبو طالب قولاً رقيقاً، ورداًّ جميلاً.
2- قريش تُعاود الكَرّة مرة ثانية. جاء الوفد مرة أخرى إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، إن لك سناًّ، وإن لك شرفاً ومنزلة فينا. وإنا قد استنْهيْناك مِن ابن أخيك، فلمْ تَنْهَه عنا. وإنّا والله لا نَصبر على هذا: مِن شتْم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيْب آلهتنا، حتى تكفّه عنّا، أو نُنازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقيْن. ثم انصرفوا.
ونلاحظ هنا الفرْق بيْن ما قاله الوفد في المرة الأولى، وما قاله في المرة الثانية.
فعظُم الأمْر على أبي طالب، وذلك لعدّة أسباب:
فِراق قومه وعداوتهم.
نفْسه لا تطيب بتسليم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى قريش. فماذا فعَل؟
أرسل أبو طالب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فلما جاءه، قال له: يا ابن أخي، إنّ قومك فاجؤوني، فقالوا لي: كذا وكذا. فأبْق على نفْسك وعليَّ، ولا تحمّلني مِن الأمْر ما لا أطيق.
ولكنّ موقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان صارماً، فقال في عِزّة وإباء، وثقة بما عند الله، وامتثالاً لأمر الله في تبليغالدعوة وبيان الحق: ((يا عم. والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أهْلك فيه، ما تركتُه)). ثم استعْبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فلما ولّى، ناداه أبو طالب فقال له: اذهب يا ابن أخي! فقل ما أحببت. فوَالله لا أُسلمك لشيء أبداً! 
عمارة بن الوليد مقابل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال ابن إسحاق: ثم إنّ قريشاً، حين عرفوا أنّ أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإسلامه لهم، مشَوْا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد، أنهد -أشدّ وأقوى- فتىً في قريش، وأجمله، فخُذْه، فلك عقله ونصره. واتخِذْه ولداً، فهو لك. وأسلمْ إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف ديننا ودين آبائك، وفرّق جماعة قومك،وسفّه أحلامهم، فنقْتله؛ فإنما هو رجل برجل. فقال: والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغْذُوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه! هذا والله لا يكون أبداًً. أرأيتم ناقة تحنّ إلى غير فصيلها؟ فحقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضاً.
ويعلِّق ابن كثير على موقف أبي طالب مِن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فيقول: "إن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبّ محمد -صلى الله عليه وسلم- حباً طبيعياً، لا شرعياً".

المراجع والمصادر



  1. الذهبي: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، دار الكتب العلمية 2006م.
  2. السهيلي: الروض الأنف، تحقيق: مجدي منصور سيد الشورى، دار الكتب العلمية 1997م.
  3. المحب الطبري: الرياض النضرة في مناقب العشرة، دار الكتب العلمية –بيروت 1405هـ.
  4. سيد الناس: عيون الأثر، ابن الشركة العربية للطباعة والنشر 1959م.
  5. محمد بن يوسف الصالحي: سبيل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، مجمع البحوث الإسلامية –القاهرة 1973م.
  6. ناصر الدين الألباني: نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، المكتب الإسلامي 1952م.
  7. القسطلاني: شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللدنية، المطبعة الأزهرية 1910م.
  8. ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار صادر للطباعة والنشر 1998م.
  9. عبد السلام هارون: تهذيب سيرة ابن هشام– دار الكتب العلمية – 1996م.
  10. صفي الرحمن المباركفوي: الرحيق المختوم، دار الشرق العربي 2003م.
  11. الأزرقي: تاريخ مكة وما جاء فيها من الآثار، مكتبة خياط 1970م.
  12. الذهبي: سير أعلام النبلاء، دار الكتب العلمية، 2004م.
  13. محمد أبو شهبة: السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة : دار القلم 1996م.
  14. عبد العزيز سالم: تاريخ العرب قبل الإسلام، مؤسسة الثقافة الجامعية 1973م.
  15. الفاسي: شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، دار الكتب العلمية 1980م.
  16. -محمد سعيد البوطي: فقه السيرة، دار الفكر، الطبعة العاشرة 2002م. 4

ابن هشام الأنصاري ، عبد الملك بن هشام الأنصاري، السيرة النبوية، دار الكتاب العربي، 2005م
مع تحيات جامعة المدينة العالمية
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

سلسلة قراءات فى تاريخ الاسلام والمسلمين- الاتّهامات الباطلة لصدّ الناس عن النبي

مِن تلك الاتّهامات التي اتهموها للنبي:
اتّهموه -صلى الله عليه وسلم- بالجنون، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}.وحكى عنهم تعالى قولهم: {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ}، وقد أجابهم الله تعالى: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}. -والمجنون تخاف الناس مِن مخالطته-. إذاً ما هو الهدف مِن وراء هذه التهمة الكاذبة؟
اتّهموه -صلى الله عليه وسلم- بالسِّحر، وفي ذلك نزل قول الله تعالى : {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ {{وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلاً مَسْحُوراً}.والناس يخافون مِن السّاحر.
اجتماع قريش لصدّ أهل الموسم عن الاستماع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بعد الجهر بالدعوة، ووصول المفاوضات بيْنهم وبيْن أبي طالب إلى طريق مسدود. وقد أظلّهم موسم الحجّ، والرسول -صلى الله عليه وسلم- بدأ يدعو الناس عامّة وعلانية إلى الإسلام. فاجتمعوا لتوحيد كلمتهم وتنسيق جهودهم، للوقوف في وجه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ودعوته. 
وقد دعا الوليد بن المغيرة إلى هذا الاجتماع، وقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمْر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياًواحداً، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضاً، ويردّ قولكم بعضه بعضاً. قالوا: فأنت فقلْ. قال: بل أنتم فقولوا أسمعْ. قالوا: نقول: كاهن. قال: لا والله! ما هو بكاهن. لقد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجْعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: ماهو بمجنون! لقد رأينا الجنون وعرفناه. ما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر! لقد عرفنا الشّعر كلّه: رجزه وهجزه، وقريضه،ومقبوضه ومبسوطه. فما هو بشاعر! قالوا: فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر! لقد رأينا السّحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما نقول؟ قال: والله، إنّ لِقوله لحلاوة، وإنّ أصله لغدق... وما أنتم بقائلين مِن هذا شيئاً إلاّ عرف أنه باطل. وإنّ أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر، يفرّق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته، فتفرّقوا عنه بذلك.
وتذكر بعض الروايات: أن الوليد لما ردّ كل الآراء التي قالت بها قريش، قالوا له: أرنا قولك. فقال لهم: أمهلوني حتى أفكّر فيه. فظل يفكر حتى أبدى لهم رأيه السابق.
وفيه أنزل الله تعالى ستّ عشرة آية مِن القرآن الكريم، مِن سورة (المدثر)، وفيها قوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * َوجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلا إِنَّهُ كَانَ لآياتنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ}.
ثم بعد اتّفاقهم، قاموا بتوزيع فِرَق على مداخل مكة المكرمة، للتحذير من الرسول -صلى الله عليه وسلم-. وكان على رأس المحذِّرين منه: عمّه أبو لهب. وقد أدّى عملهم هذا إلى عكس ما كانوا يريدون؛ فقد صدرت العرب مِن ذلك الموسم بأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وانتشر ذِكْره في بلاد العرب.
وكان هذا الموقف مِن قريش سبباً في إسلام بعض العرب، ومن ذلك قصة إسلام الطّفيل بن عمرو الدّوسي -رضي الله عنه-. فقد حذّروه مِن الاستماع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وخوّفوه منه، حتى وضع قطناً في أذنَيْه مخافة أنْ يسمع كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ولكنّ الله تعالى أراد له الخير، فسمع مِن الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فكان سبباً في إسلامه وإسلام قومه بإسلامه.
اتّهام الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالكذب، -وهو الصادق الأمين-. ولكنه لما جاء بالحق، ونهاهم عن عبادة الأصنام، كذّبوه. وهكذا حال المبطلين في كل زمان ومكان.
يريدون أنْ يطفئوا نور الله بأقوالهم وأفعالهم، قال الله تعالى: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}. وقد ذكَر القرآن الكريم عنهم هذه التّهمة في حقّه -صلى الله عليه وسلم-، حيث قال الله تعالى: {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ}، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ}.
اتّهموه بالإتيان بالأساطير. قال الله تعالى عنهم: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}.
وقالوا بأنّ القرآن مِن عند البشَر، وليس مِن عند الله تعالى، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}.
1- السّخرية، الهدف منها: تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنويّة، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ}.
وروى الإمام البخاري: أنّ امرأة قالت للرسول -صلى الله عليه وسلم-، ساخرة مستهزئة: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قرَبك منذ ليلتيْن أو ثلاثاً. فأنزل الله تعالى: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى...}.
وروى البخاري: أنّ أبا جهل قال مستهزئاً: اللّهم إنْ كان هذا هو الحق مِن عندك، فأمطر علينا حجارة مِن السماء، أو ائتنا بعذاب أليم. فنزل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.
2- الغمْز واللّمز والضّحك. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ}.
ومرّ- صلى الله عليه وسلم- برجالات قريش في الحِجر، فلما قاربهم، غمزوه ببعض القول ثلاث مرات، فقال لهم: ((يا معشر قريش! أمَا والذي نفْسي بيده! لقد جئتُكم بالذَّبْح!))، ففزعوا مِن هذا الموقف فزعاً شديداً.
3- الاستعلاء والتكبّر. قال المشركون للنبي -صلى الله عليه وسلم-: لا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء: صُهيباً، وبلالاً، وخباباً؛ فاطردْهم عنك! فنزل قول الله تعالى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}.
كِبار المستهزئِين:
1- الأسود بن عبد المطّلب بن أسد.
2- الأسود بن عبد يغوث الزهري.
3- الوليد بن المغيرة المخزومي.
4- العاصي بن وائل السهمي.
وقد نزل فيهم قول الله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ}، والوليد بن المغيرة هو القائل: أينزل على محمد، وأُترك؟ وأنا كبير قريش وسيّدها. ويُترك أبو مسعود -عمرو بن عمير الثقفي- سيد ثقيف؟ ونحن عظيما القريتيْن. فأنزل الله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}. ومِن كبار المستهزئِين أيضاً:
أبو جهل، وأميّة بن خلف، والنّضر بن الحارث، والأخنس بن شريق، وأبيّ بن خلف
المراجع والمصادر



  1. الذهبي: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، دار الكتب العلمية 2006م.
  2. السهيلي: الروض الأنف، تحقيق: مجدي منصور سيد الشورى، دار الكتب العلمية 1997م.
  3. المحب الطبري: الرياض النضرة في مناقب العشرة، دار الكتب العلمية –بيروت 1405هـ.
  4. سيد الناس: عيون الأثر، ابن الشركة العربية للطباعة والنشر 1959م.
  5. محمد بن يوسف الصالحي: سبيل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، مجمع البحوث الإسلامية –القاهرة 1973م.
  6. ناصر الدين الألباني: نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، المكتب الإسلامي 1952م.
  7. القسطلاني: شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللدنية، المطبعة الأزهرية 1910م.
  8. ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار صادر للطباعة والنشر 1998م.
  9. عبد السلام هارون: تهذيب سيرة ابن هشام– دار الكتب العلمية – 1996م.
  10. صفي الرحمن المباركفوي: الرحيق المختوم، دار الشرق العربي 2003م.
  11. الأزرقي: تاريخ مكة وما جاء فيها من الآثار، مكتبة خياط 1970م.
  12. الذهبي: سير أعلام النبلاء، دار الكتب العلمية، 2004م.
  13. محمد أبو شهبة: السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة : دار القلم 1996م.
  14. عبد العزيز سالم: تاريخ العرب قبل الإسلام، مؤسسة الثقافة الجامعية 1973م.
  15. الفاسي: شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، دار الكتب العلمية 1980م.
  16. -محمد سعيد البوطي: فقه السيرة، دار الفكر، الطبعة العاشرة 2002م. 4

ابن هشام الأنصاري ، عبد الملك بن هشام الأنصاري، السيرة النبوية، دار الكتاب العربي، 2005م
مع تحيات جامعة المدينة العالمية
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

سلسلة قراءات فى تاريخ الاسلام والمسلمين- استتابة المرتد

استتابة المرتد
فإنه متى تحققت الردة، واستحق المرتد العقوبة المقررة، فلا بد له من استتابة قبل الإقدام على تلك العقوبة، وفي هذا، نوجه سؤالًا، فنقول: هل يستتاب المرتد قبل أن يقتل؟ أو يجب قتله فورًا دون استتابة؟ 
وللعلماء في بيان ذلك، قولان:
القول الأول: للحنفية، والمالكية، وأحد قولي الشافعي، ورواية كذلك عن الإمام أحمد، حيث قالوا: أن المرتد يجب أن يستتاب قبل قتله ثلاثة أيام، بلا جوع، ولا عطش، ولا معاقبة، وإذا استمر المرتد في ردته، ورفض التوبة، أو العودة إلى حظيرة الإسلام وجب قتله، وهو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم، كعمر، وعلي، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم. 
واستدلوا لما ذهبوا إليه، بحديث جابر: ((أن امرأة يقال لها: أم مروان ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي أن يعرض عليها الإسلام، فإن رجعت، وإلا قتلت)) أي: أن هذا الرأي يقوم على استتابة المرتد، وإعطاؤه المهلة الكافية المقدرة بثلاثة أيام؛ حتى يتمكن إمام المسلمين من إزالة ما عنده من شبهة، أو من فكر مغلوط عن الإسلام، وحتى نقيم عليه الحجة قبل أن يعاقب بالعقوبة المقررة، وهذا فيه من العدل ما فيه، وفيه من الرحمة ما فيه.
وقد استدل هؤلاء، بما رواه مالك في (الموطأ): "أن رجلًا قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قبل أبي موسى، فسأله عن الناس فأخبره، ثم قال: هل عندكم من خبر؟ قال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، فقال: ماذا فعلتم به؟ قال: قربناه، فقال: ماذا فعلتم به؟ قال: ضربنا عنقه، فقال عمر: فهلَّا طبقتم عليه بيتًا، أي: أغلقتم عليه بيتًا ثلاثًا، وأطعمتموه في كل يوم رغيفًا، واستتبتموه لعله يتوب ويرجع إلى أمر الله، اللهم إني لم آمر، ولم أحضر ولم أرض إذ بلغني ذلك".
فأفاد هذا الأثر، أن منهج الإسلام، يكمن في استتابة المرتد قبل قتله، ولا أدل على هذا المنهج من أمر النبي بعرض الإسلام على تلك المرأة المعروفة بأم مروان، فإن رجعت، وإلا قتلت. 
أما عن القول الثاني: وهو للشافعي في قوله الثاني، ورواية عن أحمد: أنه لا يستتاب، بل يقتل على الفور، ولا يؤخر؛ حتى لا يؤخر لله حق. 
واستدلوا لذلك، بعموم قوله : ((من بدل دينه فاقتلوه)) فهو بإطلاقه لا يفيد التقييد بالاستتابة، وكذلك، ما أخرجه النسائي، عن أبي موسى الأشعريرضي الله عنه: ((أن النبي بعثه إلى اليمن، ثم أرسل معاذ بن جبل بعد ذلك، فلما قدم، قال: يا أيها الناس، إني رسول رسول الله إليكم، فألقى له أبو موسى وسادة ليجلس عليها، فأتي برجل كان يهوديًا فأسلم، ثم كفر، فقال معاذ: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله ثلاث مرات، فلما قتل قعد)).
فأفاد هذا، وعموم قول النبي : ((من بدل دينه فاقتلوه)) أنه ليس هناك استتابة، بل الأمر يتعلق بالقتل على الفور. 
ولكن من بين هذين الرأيين، يرجح القول الأول؛ وذلك لما يعززه من استدلال بالنصوص، وكذلك فإنه يستدل بالمعقول على ترجيح القول الأول، وهو أن المرتد لو استتيب؛ لأمكن أن يبرأ من فعله، فإنه ربما كان في الإمكان استصلاحه عن طريق الاستتابة، بما في ذلك من مناقشة هادئة، حانية، واعية، مناقشة يستبين منها للمرتد وجه الحق بعد أن كان متلبسًا بأردية من الغموض، والتعمية، وكذلك؛ لتنكشف عن ناظريه من الاغتمام ما كانت تغشى ذهنه وقلبه، فكيف يجوز إزهاقه قبل استصلاحه، وهو محتمل الحصول والتحقيق.
أما النصوص الدالة على الأمر بقتله، فإنه يمكن تأويلها، بأن يراد بها وجوب القتل بعد الاستتابة، والله أعلم. 
ولكن، إذا قلنا: بأن الراجح، هو الرأي الأول، وقلنا بالاستتابة، وجعلنا مدة الاستتابة ثلاثة أيام، فما هو الدليل على تحديد مدة الاستتابة بثلاثة أيام؟ 
لعل الدليل في هذا التحديد، ما رواه (الموطأ)، عن عمر قوله: ((فهلَّا طبقتم عليه بيتًا ثلاثًا)) كذلك ما روي عن عثمان بن عفان مثل ذلك، وما أخرجه البيهقي عن جابر بن عامر، عن علي رضي الله عنه قال: يستتاب المرتد ثلاثًا، كما أخرج البيهقي، ما ورد عن علي رضي الله عنه قال: "يستتاب المرتد ثلاثًا، فإن عاد قتل".

المراجع والمصادر



  1. القرطبي ، محمد بن أحمد بن رشد القرطبي, بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1975م
  2. أمير عبد العزيز، الفقه الجنائي في الإسلام، القاهرة، دار السلام، 1997م
  3. عودة، عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي ، مؤسسة الرسالة، 1981م
  4. الشاذلي ، حسن علي الشاذلي، الجنايات في الفقه الإسلامي ، القاهرة، دراسة مقارنة، الكتاب الجامعي، 1977م



  1. المقدسي ، موفق الدين ابن قدامة المقدسي، المغني ، دار عالم الكتب، 1417هـ
  2. غانم ، عمر محمد إبراهيم غانم، أحكام الجنين في الفقه الإسلامي ، جدة، دار الأندلس الخضراء، 1421هـ
  3. العوا ، محمد سليم العوا، أصول النظام الجنائي الإسلامي ، القاهرة، دار المعارف،1983م
  4. الزحيلي، وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته ، دار الفكر، 1985م
  5. الحفناوي، منصور محمد منصور الحفناوي، الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي ، القاهرة، مطبعة الأمانة، 1986م
  6. الشوكاني ، محمد علي الشوكاني، نيل الأوطار ، دار المدار الإسلامي، 2002م
مع تحيات جامعة المدينة العالمية
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad